عبدٌ أسود وفصلية

‌رسول عبيد الشبلي

‏‏يخنقني التفكير في أزمانٍ مضت، كان القانون فيها يُفصّل على مقاس الساطي والمستبد؛ لا بحكمةٍ ولا بعدالة، بل بسطوة السلاح والقدرة على الغدر تحت جنح الظلام الدامس. هذا هو العرف العشائري في أحلك أزمانه، والذي يدرك كنهه المجتمع العراقي المنحدر في أغلبيته من أصول عشائرية عريقة. لكن التاريخ لا يخلو من غصة؛ فقد كان يشوب تلك التجمعات ظلم أسود، لم يترك للمسالم مكاناً يذكر، وسحق الفقير الذي لا يملك قوتاً يسد به رمق يومه. ومن هذه الفئة المضطهدة برز الفلاح، ذلك المسكين الذي كان يحرث الأرض و يزرعها كما يقال في المأثور العراقي—((بزاد بطنه)) فحسب، بينما الأسياد والشيوخ يملكون الأرض ومصائر البشر.
‏وصلت دكتاتورية المضايف إلى التحكم بقلوب النساء وأجسادهن؛ فلم يكن للوالد الفقير حقٌ في اختيار شريك حياة لابنته، بل كانت الفتيات يسقن كـ ((جزية))تدفعها العشيرة ثمناً لحربٍ عبثية، لا ناقة للفقراء فيها ولا جمل وحتى إن شارك أولئك البؤساء في القتال، فما كانوا يملكون غير هراوة أو ((مگوار))بسيط، أقصى ما يفعله هو كسر عظمٍ أو جرح جسد، دون أن يودي بحياة الخصوم.
‏لكن هذا العجز والفقر لم يكن يشفع للمستضعفين أمام جَبروت الشيوخ وهم يتكئون في مضايف القصب، يوزعون الأحكام بما تشتهيه أنفسهم؛ فإما مال يدفع من قوت العيال، أو تنتزع الابنة أو الأخت وتساق ((فصلية)) لكسر عين عشيرتها.
‏وحين ينتهي هذا المهرجان الدموي، ينقلب المشهد إلى صخب و مفاخر؛ يجلسون ليتحدثوا بزهوٍ عن بطولاتهم؛ كيف أطلق فلان بندقية «البرنو»، وكيف فتك الآخر بالخصوم مستخدماً «الباش»، وذاك الذي قُلعت عينه بعد أن أباد نصف العشيرة المقابلة! وفي زاوية ذلك المضيف، تحت ركام الصخب و النرجسية، يجلس الوالد المكسور الذي انتزعت كبده رغماً عن أنفه، لتوهب لغريبٍ لم تر وجهه قط، ولم يسمع بها من قبل.
‏والأشد إيلاماً ومرارة، أن تلك المسكينة تساق ،مع كل التقدير لقدسية النساء—كما تساق البهيمة إلى حتفها. تخرج بعباءتها الثقيلة وثياب بيتها الرثة، دون هلهولة( زغروطة) فرح، أو زينة، أو كحلٍ يواسي جفونها الباكية، ولا حتى ((صخام قدر)) أو وشم بسيط على كفيها—وهي التي كانت تمثل كل مساحيق التجميل عند نساء العرب قديماً—. تخرج ملفوفة بالحزن والمهانة، دون أن يجرؤ أحد على توديعها.
‏ولا ينتهي المسلسل المأساوي هنا؛ بل تكتمل الفجيعة بعد أن تلد هذه المرأة المسكينة طفلاً ذكراً، وتبدأ بالانسجام مع واقعها الجديد و تتنفس الصعداء بمولودها الذي سهرت عليه الليالي والأيام حتى يبلغ السنتين أو الثلاث. هنا، وبكل دم بارد، تطلق المرأة وترمى رمية الكلاب لتُعطى مكافأة للعبد الذي يسقي القهوة في المضيف، أو لأي رجل رث منبوذ في العشيرة! لأن أسياد المضايف بحسب نفاقهم الاجتماعي لا يقبلون بأن تبقى في أحضانهم امرأة مطلقة كانت يوماً ((فصلية)) في فراش رجل آخر؛ وكأنهم ليسوا هم من انتهكوا عذريتها وسلبوا كرامتها في المرة الأولى! هكذا وبكل بساطة، يفككون أسرة جديدة لم تكد تبصر النور.
‏وعن أي نور نتحدث؟ فلم يكن في تلك الفوضى من نور سوى وميض الرصاصة التي تنطلق من فوهة بندقية غادرة ليلاً، لتسلب روح إنسان دون وجه حق. وبين هذا وذاك، يترعرع الطفل ضحية لزوجة الأب إن تزوج أبوه، أو يعيش منبوذاً لا يجد من تقبل به زوجاً ليعمر بيته إذا كبر. أما العبد الذي يصب القهوة، فهو "المحظوظ" الوحيد في هذه الغابة؛ لأنه حصل على جارية مجانية تعاونه في خدمة الشيخ وتلبية رغباته.


PM:05:06:25/10/2026

ئه‌م بابه‌ته 236 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌