من حكمة مام جلال إلى دبلوماسية نيجيرفان بارزاني: التوافق الكوردي في زمن الأزمات

‌حسن أمين البرزنجي

يقف العراق وإقليم كوردستان أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتداخل المصالح والصراعات. وفي مثل هذه الظروف، لا تصبح السياسة مجرد إدارة للأزمات، بل اختباراً لقدرة القادة على بناء التوازنات وفتح أبواب الحوار عندما تضيق مساحات التفاهم.
وهنا تستحضر الذاكرة العراقية والكوردية تجربة الراحل مام جلال طالباني، الذي امتلك قدرة استثنائية على إدارة التناقضات، وتحويل الخلافات إلى مساحات للحوار والتوافق، وكان في الوقت نفسه أحد أهم ركائز وحدة البيت الكوردي.
واليوم، تتجه الأنظار إلى رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ليس من باب تكرار تجربة مام جلال، فلكل مرحلة ظروفها، وإنما للتساؤل: هل يستطيع تقديم نموذج جديد من دبلوماسية التوافق، يجمع البيت الكوردي ويسهم في تهدئة التوتر العراقي والإقليمي؟
دبلوماسية الجمع بين المتناقضات
يمتلك نيجيرفان بارزاني شبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة، تتيح له التواصل مع أطراف متباينة المصالح، من واشنطن وطهران وأنقرة إلى دول الخليج، مع انفتاح على مختلف مراكز القرار والمؤسسات الدولية والدينية.
أما داخلياً، فيقوم نهجه على فكرة أن قوة بغداد لا تتعارض مع قوة أربيل، وأن استقرار العراق وإقليم كوردستان مصلحة مشتركة. ومن هنا تبدو «دبلوماسية التجميع» أقرب إلى منهجه من سياسة الاستقطاب والتفكيك.
لكن نجاح هذا الدور يبدأ من الداخل؛ فتماسك البيت الكوردي وتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية لا يعني إلغاء الاختلاف، بل تحويل التعدد إلى مصدر قوة، والخلاف إلى وسيلة للحوار لا إلى طريق للانقسام.
بين الحوار والرسائل الخشنة
لا تتحرك الدبلوماسية في المنطقة دائماً في بيئة هادئة؛ فإلى جانب طاولات الحوار توجد أحياناً رسائل أمنية وسياسية خشنة ومحاولات لخلط الأوراق وإرباك التوازنات.
ولهذا فإن مواجهة التوتر لا تكون بالتصعيد وحده، وإنما بتحصين الجبهة الداخلية، والتمسك بالقنوات الدستورية والسياسية، ومنع تحويل إقليم كوردستان إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية.
من مام جلال إلى نيجيرفان بارزاني
ليست المقارنة بين الشخصيتين دعوة إلى تكرار التاريخ؛ فمام جلال كان ابن مرحلة سياسية مختلفة، امتلك خلالها خبرة طويلة في الحركة الكوردية والعراقية، وشكّل حضوره جسراً بين قوى واتجاهات متباينة.
أما نيجيرفان بارزاني فيتحرك في عالم أكثر تعقيداً، تتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية، وتتشابك ملفات الأمن والطاقة والسياسة والدبلوماسية.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل يصبح نيجيرفان بارزاني «مام جلال» الجديد؟ وإنما: هل يستطيع أن يصنع نموذجاً جديداً من دبلوماسية التوافق، مستلهماً حكمة مام جلال ومتكيفاً مع تحديات عصره؟
إن العراق وإقليم كوردستان بحاجة اليوم إلى شخصية تعرف كيف تجمع دون أن تلغي، وتوازن دون أن تنحاز، وتتحاور دون أن تتنازل عن الثوابت. وإذا كان مام جلال قد امتلك القدرة على إذابة الجليد بين الخصوم بابتسامته وروحه الإنسانية، فإن نيجيرفان بارزاني يحتاج اليوم إلى استدعاء كل أدوات الحكمة والصبر والدبلوماسية.
فربما لا يكفي في هذه المرحلة صبر أيوب وحده؛ بل نحتاج أيضاً إلى أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، وأن نجلس إلى الطاولة قبل أن تتحول الخلافات إلى أزمات.
وكما يقول المثل الكوردي: «بەرد بە ئاڤ دەشکێت، بە هێز نا»؛ أي: «الحجر ينكسر بالماء، لا بالقوة».
ولعل هذه الحكمة تختصر جوهر السياسة الرشيدة: فليست كل المعارك تُحسم بالقوة، ولا كل الخلافات تُحل بالمواجهة؛ فأحياناً يكون الصبر وطول النفس والحوار الهادئ أكثر قدرة على فتح الأبواب المغلقة من أي ضغط أو تصعيد.
وهكذا، فإن دبلوماسية التوافق ليست ضعفاً، والحكمة ليست تراجعاً؛ بل قد تكون القوة الأكثر تأثيراً عندما تكون المنطقة بأمسّ الحاجة إلى من يجمع ولا يفرّق، ويبني الجسور بدلاً من هدمها.
​إن إقليم كوردستان ليس مجرد جغرافية محاطة بالأزمات، بل هو مركز ثقل جيو-سياسي واقتصادي وأمني يقع عند نقطة تقاطع تقاطعات دولية وإقليمية شائكة. فالإقليم يمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً، وممرّاً للطاقة، وملاذاً آخراً للتوازن السياسي والاستقرار في منطقة تعصف بها الصراعات.


PM:12:40:19/08/2026

ئه‌م بابه‌ته 204 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌