صرخة الوعي العراقي: عندما تتحول الخدمات والسيادة إلى مغانم سلطوية
عدنان صگر الخليفة
يعيش المواطن العراقي في مفارقة زمنية وإنسانية مريرة؛ فبينما يخطو العالم بخطوات متسارعة في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا تزال العائلات العراقية ترزح تحت وطأة ظروف خدمية تنتمي إلى القرون الوسطى. إن أزمة الطاقة الكهربائية وانعدام المياه الصالحة للاستهلاك البشري لم تعد مجرد قضايا خدمية عابرة أو مشاكل فنية مؤقتة، بل تحولت بفعل العقود المتعاقبة إلى قضية كرامة وطنية مستلبة، وصرخة احتجاجية تعكس تفكك العقد الاجتماعي المفترض بين الدولة والمجتمع.
إن التناقض الصارخ الذي تبديه المؤسسات الرسمية يمثل نمطاً مكشوفاً لإدارة الأزمات بالتصريحات والوعود الوهمية؛ إذ تنطلق البيانات الإعلامية في فصول اعتدال الطقس لتبشر باستقرار التجهيز وجاهزية البنى التحتية، لكنها سرعان ما تتبخر وتنهار مع أول المحكات الحقيقية، سواء في أشهر الصيف اللاهب حيث يفتقر المواطن لأبسط وسائل التبريد، أو في مواسم الأمطار التي تكشف زيف مشاريع الصرف الصحي وتغرق المدن في فيضانات مأساوية. هذا الفشل البنيوي المتكرر يثبت أن الموازنات الانفجارية والمليارات الفلكية التي خُصصت لقطاعات الحيوية لم تذهب لبناء إستراتيجيات تنموية مستدامة، بل استُنزفت في مشاريع ترقيعية وعقود صيانة مؤقتة صُممت لإدامة نفوذ الفساد والمحاصصة الحزبية.
ويمتد هذا العطل المتعمد ليطال ملف الطاقة والغاز الطبيعي، حيث يتبدى عجز الحكومات أو بالأحرى تعمدها في رهن القرار الوطني للاستيراد الخارجي وشماعة الغاز الإقليمي، في وقت يمتلك فيه العراق احتياطيات هائلة وحقولاً جاهزة، بينما يُحرق غازه المصاحب في السماء مسبباً التلوث والأمراض بدلاً من تشغيل محطات الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي. إن هذا الواقع الخدمي المتردي لا ينفصل عن واقع السيادة المستباحة إقليمياً ودولياً؛ فالقوى التي عجزت عن فرض سلطة القانون وحماية أمن المدن وحدودها، والتي تسببت في انهيارات عسكرية ومأساوية سابقة كلفت سقوط محافظات بأكملها أمام مئات معدودة من الإرهابيين لولا الهبة التاريخية والمقدسة للمجتمع وغيرته الوطنية، تثبت أنها لم توجد لرعاية الحقوق وتأمين السيادة، بل وجدت للاحتماء بالقانون وسياطه الأمنية لتطبيقه بحذافيره على المواطن البسيط والضعيف الذي لا سند له، بينما تمنح الحصانة المطلقة للجهات الحزبية والمسلحة وحيتان الاقتصاديات الكبرى.
بناءً على هذا التشخيص الواقعي، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض تعرية الشعارات الزائفة التي تتبجح بحماية المكونات والمذاهب والقوميات؛ فالجوع والحر والتلوث والأزمات عابرة للطوائف ولا تستثني أحداً، والسياسيون الذين يتقاسمون الوزارات والمؤسسات كإقطاعيات خاصة لتمويل حواشيهم قد أسقطوا الشرعية الخدمية والأخلاقية عن كاهلهم. إن الدفاع عن هذه المنظومة الفاسدة، أو تبرير فشلها من أي فئة كانت، يعد مشاركة فعلية في الجريمة وخيانة صريحة لدماء التضحيات وعذابات الشعب. لقد آن الأوان للوعي الشعبي أن يقطع الشك باليقين، وأن يعلن بضرس قاطع أن الحكومات التي تعجز أو تتعمد حرمان شعبها من الماء والكهرباء والعيش الكريم هي منظومة لإدارة المغانم وسرقة المقدرات، وأن استرداد كرامة العراق يبدأ من رفض هذا الواقع والتمسك بدولة المواطنة الحقيقية التي تؤدي واجباتها الأصيلة دون منّة أو تضليل.
AM:12:03:14/06/2026
ئهم بابهته 100
جار خوێنراوهتهوه