توريث الفساد عائلياً، وتعويمه اجتماعياً!

‌فلاح المشعل

تشهد ثقافة الفساد في العراق حالةً فريدة تكاد تميّزها عن كثير من أنماط الفساد المعروفة في العالم، فالمسألة لم تعد تُدار في الخفاء، أو تُرتّب إجراءاتها بحذرٍ عالٍ وتُغطّى بأطر قانونية أو شبه قانونية، كما يحدث في العديد من الدول، حفاظاً على صورة الفاسد وتمكينه من مواصلة حياته بصورة طبيعية بعد مغادرة المنصب.
أما في العراق، فقد اكتسب الفساد بعداً نوعياً خطيراً، حتى كاد يتحول إلى ظاهرة اجتماعية مُعوَّمة ومقبولة لدى العديد من الفئات، حين أصبح بعض الناس يحتفون بالفاسد، ويتوجهون إلى صناديق الاقتراع لانتخابه مجدداً، وهم على علمٍ تام بسجله وسلوكه.
لقد بات للفساد قواعده وشبكاته ولجانه السياسية والحزبية، وله أمراؤه ووكلاؤه وقادته، فضلاً عن مراكز للتسويات وتقاسم المصالح والحصص، تمتد بين بغداد وأربيل وعَمّان ودبي ولندن، وتتموضع أحياناً في أكثر المواقع نفوذاً وتأثيراً.
وإذا كان المسؤول وزيراً، فإنه كثيراً ما يزجّ بابنه في إدارة المشاريع والاتفاقات والصفقات المرتبطة بنفوذه، ليُهيّئه لاحقاً ليصبح رجل أعمال ونائباً أو وزيراً في موسم سياسي جديد. أما إذا كان في موقع أعلى، فإنه يستعين بأشقائه وأبناء عمومته وأصهاره وأقارب زوجته، ويوزعهم على المكاتب والمواقع الحساسة مالياً وأمنياً وإدارياً، وكأن الدولة ومؤسساتها أصبحت امتداداً لمصالح العائلة وشبكة النفوذ الخاصة بها، وغالباً ما يُمنح أكثرهم جرأة وخبرة في إدارة المصالح المشبوهة موقعاً قريباً من مركز القرار، ليكون أميناً على الأسرار والأموال معاً.
والأخطر من ذلك أن سرقة المال العام لم تعد تُنظر إليها، لدى بعض الأوساط، بوصفها جريمة أخلاقية ووطنية، بل تحولت إلى معيار زائف للذكاء والنجاح و”الشطارة”. فصاحب الثروة المفاجئة والسيارة الفارهة والمظاهر الاستعراضية يُقدَّم أحياناً بوصفه نموذجاً للنجاح، بغض النظر عن مصادر أمواله أو الوسائل التي أوصلته إلى تلك المكانة.
لقد بدأ الفساد الكبير مع الاستيلاء على أموال الدولة وممتلكاتها، ثم تحوّل بعض المستفيدين منه إلى أصحاب شركات وبنوك أهلية وجامعات ومجمعات تجارية ومستشفيات ومشاريع اقتصادية ضخمة. وبعد ذلك تمدد النفوذ إلى طبقة من السياسيين وقادة الأحزاب، قبل أن يتسرب تدريجياً إلى مستويات أخرى من الوظيفة العامة والمراتب الاجتماعية، بما في ذلك بعض شيوخ العشائر والإعلاميين والعاملين في القطاع الإعلامي. ولعل ملف إفساد الإعلام وشراء الولاءات واحد من أخطر الملفات التي تستحق التوقف عندها لاحقاً.
السؤال الأهم اليوم: إذا كان ما نكتبه توصيفاً لواقعٍ أصبحت شواهده أكثر من أن تُحصى، فكيف يمكن الخلاص من هذا الواقع الذي لم يعد يهدد المال العام والإدارة والسياسة فحسب، بل امتد تأثيره إلى البنية الأخلاقية للمجتمع، فأضعف منظومة القيم التي كانت تقوم على النزاهة والعفاف والكبرياء والشرف الوطني؟
إن مواجهة الفساد لم تعد مجرد معركة قانونية أو إدارية، بل أصبحت معركة ثقافية وتربوية وأخلاقية وسياسية شاملة، فإصلاح القوانين، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية الإعلام الحر، ومحاسبة كبار الفاسدين قبل صغارهم، وإعادة الاعتبار لقيم النزاهة والعمل الشريف، كلها شروط أساسية لإنقاذ الدولة والمجتمع معاً.
ننتظر آراءكم ومقترحاتكم بشأن سبل معالجة هذه الانتكاسة السياسية والاجتماعية الخطيرة.


PM:05:10:10/06/2026

ئه‌م بابه‌ته 96 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌