الطفولة ليست للزواج
مشتاق الربيعي
إنَّ زواج القاصرات يُعدّ رصاصة رحمة تُطلق على براءة الطفولة، فهو لا يسرق سنوات العمر الأولى فحسب، بل يقتلع مرحلة كاملة من النمو الإنساني الطبيعي، بكل ما تحمله من أحلام وتكوين شخصية وتوازن نفسي وعاطفي. كيف يمكن أن نقبل أن تُنتزع طفلة من عالمها البريء، حيث التفاصيل البسيطة تشكّل كل حياتها؛ قطعة حلوى تسعدها، أو دمية ترافق خيالها، أو لعبة صغيرة تمنحها معنى الطفولة، لتُلقى فجأة في عالم من المسؤوليات الثقيلة التي لا تتناسب مع عمرها ولا قدرتها على الفهم والاستيعاب؟
إن هذا الواقع مؤلم ومؤسف في آنٍ واحد، لأنه لا يمسّ فردًا واحدًا فقط، بل ينعكس على بنية المجتمع بأكمله. فحرمان الطفلة من حقها في النمو الطبيعي والتعليم والرعاية النفسية المتوازنة يؤدي إلى نتائج طويلة الأمد، منها اضطرابات نفسية، وضعف في الشخصية، وتراجع في القدرة على بناء أسرة مستقرة لاحقًا. فالأم التي لم تُمنح حقها في أن تكون طفلة أولًا، يصعب عليها أحيانًا أن تُنشئ جيلًا سليمًا من الناحية التربوية والنفسية.
إن زواج القاصرات لا يمكن النظر إليه كقرار اجتماعي بسيط أو تقليد قديم، بل هو قضية تمسّ جوهر حقوق الإنسان، وخصوصًا حقوق الطفل. فهو يُعدّ شكلًا من أشكال انتهاك الطفولة، وحرمانًا من أبسط الحقوق التي يفترض أن تكون مكفولة لكل إنسان، وعلى رأسها حق التعليم، وحق اللعب، وحق النمو التدريجي في بيئة آمنة ومستقرة.
لذلك، من الضروري التأكيد على أهمية وجود ضوابط قانونية صارمة تمنع الزواج دون بلوغ سن الرشد (18 عامًا)، بما ينسجم مع المعايير الدولية المعمول بها في أغلب دول العالم، وذلك لضمان توفر الحد الأدنى من النضج الجسدي والعقلي والنفسي قبل الدخول في مؤسسة الزواج، التي تتطلب مسؤولية ووعيًا واستقرارًا لا يمكن أن يتوفر في مرحلة الطفولة.
كما أن دور القضاء العراقي والجهات التشريعية في هذا الجانب محوري وأساسي، إذ إن حماية الطفولة يجب أن تكون أولوية وطنية لا تقبل التأجيل أو التهاون، لأن أي ثغرة في هذا الملف تعني استمرار معاناة أجيال كاملة. كما يقع على عاتق منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات التربوية، والإعلام، مسؤولية كبيرة في نشر الوعي حول مخاطر هذه الظاهرة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تبررها أو تقلل من خطورتها.
إن الطفولة ليست مرحلة يمكن تجاوزها أو اختصارها، بل هي أساس بناء الإنسان نفسيًا وفكريًا واجتماعيًا. وأي اعتداء عليها هو اعتداء مباشر على مستقبل المجتمع بأكمله. فحين تُحرم الطفلة من طفولتها، لا نخسر فردًا فقط، بل نخسر توازنًا اجتماعيًا ومستقبلًا كان يمكن أن يكون أكثر استقرارًا وإنسانية.
إن حماية الأطفال ليست خيارًا ثانويًا، بل واجب أخلاقي وإنساني وقانوني، لأن المجتمعات التي تصون طفولتها هي وحدها القادرة على بناء مستقبل قوي ومستقر
PM:10:11:23/05/2026
ئهم بابهته 276
جار خوێنراوهتهوه