الكرد بين حلم الدولة وتجربة الأمة الديمقراطية
حجي قادو
في بدايات تأسيس حزب العمال الكردستاني، رُفع شعارٌ كبيرٌ تمثّل في تحرير كردستان وتوحيد أجزائها، وهو شعارٌ كان بحجم حلم كل كردي يتطلع إلى الحرية والاستقلال. غير أنّ عقوداً طويلة من الكفاح المسلح مع تركيا، في سبيل انتزاع أبسط الحقوق القومية لشعب باكور كردستان، أفضت إلى تحولات فكرية وسياسية داخل الحزب. فمع مرور الزمن، جرى التراجع عن ذلك المشروع الكبير، ليحلّ مكانه خطابٌ جديد أكثر تواضعاً، تمثّل في طرح نظريات سياسية بديلة مثل مفهوم الأمة الديمقراطية و"أخوّة الشعوب".
غير أنّ هذه التحولات الفكرية، في نظر كثيرين، لم تُترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. فحين يكون الطرف المقابل ما يزال يرفض الاعتراف بوجود الشعب الكردي أصلاً وينكر حقوقه القومية، فإنّ طرح نظريات فلسفية ذات طابع مثالي أو طوباوي لا يبدو كافياً لتحقيق تطلعات شعبٍ يسعى إلى الاعتراف والحقوق السياسية.
لقد طُرحت هذه الأفكار بوصفها مشروعاً بديلاً للنزعات القومية التقليدية، وكأنها رؤية فلسفية شاملة لإدارة التعددية في المنطقة. إلا أن التجربة العملية، سواء في باكور كردستان داخل تركيا، أو لاحقاً في روج آفا ضمن شمال سوريا، أثارت تساؤلاتٍ واسعة حول مدى قدرتها على معالجة المسألة الكردية بصورة واقعية ومستدامة.
فالتاريخ القريب والبعيد يشير إلى أن التعايش بين الشعوب، والتعاون بين المكونات المختلفة، ليس فكرة جديدة في حدّ ذاته؛ إذ عرفته المجتمعات الإنسانية عبر قرون طويلة. غير أنّ هذا التعايش لم يكن دائماً كافياً لضمان الحقوق القومية للشعوب التي تعرّضت للإنكار أو التهميش. وعندما يرفض بعض الأطراف الاعتراف بوجود الشعب الكردي كشعبٍ أصيل في المنطقة، فإنّ الخطاب المثالي حول الأخوّة والتعايش يفقد كثيراً من قدرته على إحداث تغيير سياسي فعلي.
والشعب الكردي، بوصفه أحد أقدم شعوب المنطقة، يمتلك جذوراً تاريخية عميقة تمتد إلى حضاراتٍ عريقة مثل الحضارتين الميدية والميتانية. كما حافظ عبر العصور على لغته وثقافته وتراثه الاجتماعي، رغم ما مرّ به من تحولات سياسية وصراعات إقليمية. وتظل الجغرافيا الكردية الممتدة من الأناضول إلى جبال طوروس وزاغروس وآرارات، مروراً بميزوبوتاميا، شاهداً على حضور هذا الشعب التاريخي في المنطقة.
انطلاقاً من ذلك، يرى كثير من المثقفين والسياسيين الكرد أن القضية الكردية تحتاج إلى مقاربة سياسية واقعية تستند إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإلى الاعتراف بوجودها القومي وحقوقها المشروعة. فكما أن لكل شعبٍ في العالم دولته ومؤسساته السيادية التي تعبر عن إرادته، فإنّ تطلعات الكرد لا تختلف في جوهرها عن تطلعات غيرهم من الشعوب التي سعت إلى الحرية والسيادة على أرضها التاريخية.
ومن هنا، يظل النقاش مفتوحاً داخل الأوساط الكردية حول المسار الأنسب لتحقيق هذه الأهداف: هل يكون ذلك من خلال مشاريع فوق-قومية مثل «الأمة الديمقراطية»، أم عبر مشروع قومي تقليدي يقوم على بناء دولة مستقلة ذات سيادة تعبّر عن الإرادة السياسية للشعب الكردي؟
PM:09:30:14/03/2026
ئهم بابهته 88
جار خوێنراوهتهوه