إسماعيل بيشيكجي وأنطولوجيا الوطن المنقسم

‌كاوا محمود

لطالما تمّ تأطير القضية الكردية ضمن المصطلحات التقليدية لحقوق الأقليات، والاعتراف الثقافي، واللامركزية الإدارية. هذه الصيغ، على الرغم من أهميتها السياسية، تظلّ قاصرة من الناحية المفاهيمية. فهي تفترض شرعية الدولة الناشئة بعد سايكس بيكو، ككيان سياسي قائم، وتضع الشعب الكردستاني كفئة فرعية ضمن هذا الكيان.

شكّل التدخل الفكري لإسماعيل بيشيكجي قطيعة معرفية جذرية مع هذا النموذج. فقد رفض تفسير القضية الكردية كمشكلة داخلية للدول القومية القائمة، بل أعاد صياغتها كمسألة هيمنة استعمارية، وتحديدًا، شكل فريد تاريخيًا من أشكال الاستعمار الدولي.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وبينما كانت الدولة التركية تتعامل من منظور أمني بحت، وما تبعه من اجراءات عسكرية ضد الكورد في تركيا، وفي وقت كانت البرامج السياسية للقوى الكوردستانية في كافة أجزاء كوردستان تتمحور في نطاق اللامركزية والحكم الذاتي وحقوق ثقافية وادارية محدودة، يأتي اسماعيل بيشيكجي ليطرح اشكالية نظرية تتعلق بفهم جوهر القضية الكوردستانية باعتبارها ليست مسألة أقلية قومية داخل دول قائمة، بل مسألة بحاجة الى توصيف سوسيولوجي وقانوني آخر باعتبار كوردستان كولونيالية دولية خاصة، وكانت هذه الأطروحة النظرية تحولاً نوعياً عبر تحويل هذه القضية من عرضها كحقوق لأقلية قومية الى تكييفها كقضية لوطن يعاني من الكولونيالية، ولكن ليست كولونيالية تقليدية، بل كولونيالية من نوع خاص، ومسألة شعب مستعمر، واستعمار متعدد الأطراف لكوردستان، سماها بيشيكجي كولونيالية دولية قسمتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى على دول كولونيالية أنشئتها وفق لمصالحها والمعايير الامبريالية الجديدة في تقسيم واعادة تقسيم الاسواق العالمية، أي ان كردستان ليست مستعمرة لدولة واحدة، بل موزعة بين أربع دول، وهذه الدول نفسها نشأت ضمن ترتيبات النظام الدولي بعد الحرب العالمية الأولى.

يكمن جوهر أطروحة بيشيكجي في إعادة تعريف الأنطولوجيا السياسية. فالقضية الكردية، من وجهة نظره، لا تتعلق بحقوق أقلية داخل دول ذات سيادة؛ يتعلق الأمر بوضع وطنٍ مُجزّأ بفعل بنية النظام الدولي الحديث. فكردستان، المقسمة بين أربع دول بعد إعادة تشكيل موازين القوى عقب الحرب العالمية الأولى، تمثل فضاءً مُستعمَراً بلا مركز استعماري واحد. فالوضع الاستعماري مُشتّت ومتعدد الطبقات، ومُقنّن قانونياً عبر المعاهدات الدولية.

وبالتالي، لا يبدو الانتقال من معاهدة سيفر إلى معاهدة لوزان مجرد تسوية دبلوماسية، بل لحظة حاسمة في محو حق شعبٍ في تقرير مصيره قانونياً. لقد رسّخت لوزان التجزئة، وحوّلت التسوية الجيوسياسية إلى نظام قانوني معياري، وبذلك حوّلت الظلم التاريخي إلى شرعية دولية.

لذا، يتجاوز تصور بيشيكجي النماذج الاستعمارية الكلاسيكية. فالاستعمار التقليدي يفترض ثنائية واضحة بين المركز والهامش: مركز إمبراطوري ومستعمرة تابعة. أما في الحالة الكردية، فتُمارس الهيمنة الاستعمارية من قِبل دول متعددة كانت هي نفسها جزءاً من نظام عالمي مُعاد هيكلته. ليست كردستان ملكًا لإمبراطورية واحدة، بل هي مقسمة بين دويلات نالت استقلالها الذاتي عبر مفاوضات مع الإمبراطوريات. ينتج عن ذلك ما يُمكن تسميته حالة من الاستقلال الاستعماري المُشتت.

يُحوّل هذا التحليل القضية الكردية من مجال سياسات تتعلق بالهوية إلى ساحة القوة البنيوية، كاشفًا كيف يُمكن للدولة القومية الحديثة - التي غالبًا ما تُحتفى بها باعتبارها ذروة التحرر السياسي - أن تعمل كآلية للهيمنة الاستعمارية المُستبطنة. تُصبح الدولة نتاجًا لنظام دولي، وفي الوقت نفسه أداةً للإخضاع داخل حدودها.

في هذا الصدد، يتقارب عمل بيشيكجي مع تيارات أوسع في فلسفة التحرير. فكما فعل فرانز فانون، الذي شخص الأبعاد النفسية والبنيوية للهيمنة الاستعمارية، سعى بيشيكجي إلى الكشف عن كيفية حجب الأطر القانونية والأيديولوجيات القومية لعلاقات القوة. إلا أن تدخله يختلف في جانب جوهري: فالوضع الكردي لا يتوافق مع الثنائية الاستعمارية الكلاسيكية. إنها ليست مستعمرة ما وراء البحار، بل وطن مُجزأ ومُدمج في كيانات سيادية متعددة. تُخفى العلاقة الاستعمارية قانونيًا تحت ستار المواطنة، وتُبرر سياسيًا بالعقيدة القومية.



ويمكن إيجاد صدى نظري مماثل في مفهوم بابلو غونزاليس كاسانوفا للاستعمار الداخلي. فقد جادل كاسانوفا بأن الدولة القومية قد تُعيد إنتاج العلاقات الاستعمارية داخل حدودها الإقليمية من خلال الاستغلال الاقتصادي، والمركزية السياسية، والتجانس الثقافي. إلا أن بيشيكجي يُوسع هذا المنطق. فالحالة الكردستانية لا تُجسد الاستعمار الداخلي فحسب، بل حالة هجينة: هيمنة داخلية تعمل ضمن بنية أوسع من الشرعية الدولية. فالبنية الاستعمارية محلية ومنهجية في آن واحد.

كما يُسلط هذا المنظور الضوء على الأزمة البنيوية المستمرة للدولة في الشرق الأوسط. فالدول التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن نتاجًا طبيعيًا للتطور الاجتماعي، بل كانت كيانات جيوسياسية مُتأصلة في ترتيبات رأسمالية عالمية. وقد تم تأكيد استقلالها قانونيًا، إلا أن أسسها الاجتماعية ظلت هشة. في مثل هذا السياق، تصبح المسألة الكردية أكثر من مجرد مطالبة وطنية - إنها تصبح عدسة تشخيصية يتم من خلالها الكشف عن تناقضات تكوين الدولة والاستقلال الذاتي والقانون الدولي.

يجب فهم شجاعة بيشيكجي الفكرية في سياق المناخ الأيديولوجي لعصره. ففي ظل هيمنة القومية الكمالية، تحدّى الأسطورة التأسيسية للدولة القومية التركية المتجانسة. وأدى إصراره على تسمية كردستان بالوطن المُستعمَر إلى زعزعة النظام المعرفي السائد. كان ثمن هذا التصدع السجن، لكن نتيجته كانت فتح آفاق نظرية جديدة.

بعد أكثر من نصف قرن، لا تزال أطروحته تحتفظ بأهميتها الفلسفية. فالنظام الدولي المعاصر، الذي يتسم بتشتت القوى وظهور تعدد الأقطاب، ووجود قوى اقليمية، لا يزال يتهرب من المسؤولية عن المظالم التاريخية المتضمنة في معاهداته التأسيسية. لا يمكن الآن محاسبة أي مركز إمبريالي بمفرده؛ ومع ذلك، لا تزال حالة التشرذم الهيكلية قائمة. وهكذا، يخوض النضال الكردستاني مفارقة: مواجهة جهات فاعلة متعددة في الوقت الذي يتنقل فيه ضمن نظام عالمي يُعلن حق تقرير المصير ويُقيّد تحقيقه في آن واحد.

في نهاية المطاف، يدفعنا بيشيكجي إلى إعادة النظر في مفهوم السيادة نفسه. إذا كانت السيادة متجذرة في إرادة الشعب في تقرير مصيره، فماذا يؤول إليه حال الوطن المقسم والمُقنّن على أنه قابل للتجزئة؟ وإذا كان القانون الدولي يهدف إلى حماية الحقوق الجماعية، فكيف يتحول إلى أداة لتعليقها؟

من خلال إعادة صياغة القضية الكردستانية كمسألة كونها مستعمرة دولية، حوّل بيشيكجي القضية من مجرد مطالبة بالاعتراف إلى نقدٍ لبنية نظام الدولة الحديثة ذاتها. لا يقتصر إرثه على الدفاع عن حقوق الشعب فحسب، بل يتعداه إلى كشف التناقضات البنيوية لنظام عالمي يُقدّس السيادة بينما ينكر جوهرها على أولئك الذين استُبعدوا تاريخيًا من تشكيلها.


AM:01:09:14/02/2026

ئه‌م بابه‌ته 116 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌