فيديو علاء… حين تصنع الترندات لتوجيه وعي الشارع العراقي

‌لمياء رسول

خلال يومين فقط، تحول فيديو "علاء” إلى ظاهرة رقمية كاسحة في العراق، سيطر على منصات التواصل، وتصدر النقاش العام، وأغرق الفضاء الإلكتروني بحالات تعاطف، وتحليلات نفسية، وتصنيفات اجتماعية، حتى بات وكأنه القضية الوحيدة التي تستحق الاهتمام.

لكن، وبمنطق استقصائي بحت، لا يمكن التعامل مع هذا الانتشار بوصفه حدثًا بريئًا أو عفويًا بالكامل، خاصة إذا ما وضع في سياقه الزمني والسياسي.

في اللحظة ذاتها التي انشغل فيها الرأي العام العراقي بالفيديو، كانت ملفات مصيرية تمر بهدوء: تعقيدات انتخاب رئيس الجمهورية، عودة أسماء سياسية مثيرة للجدل إلى الواجهة، حديث متزايد عن نقل عناصر تنظيم داعش من السجون السورية إلى داخل العراق، إضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع سعر الدولار، وما يرافقه من ضغط معيشي خانق على المواطن.

هنا يبرز السؤال الجوهري: من يحدد أجندة النقاش العام؟

في عصر المنصات الرقمية، لم يعد الترند نتاج تفاعل عفوي فقط، بل بات يصنع ويضخ ويغذى عبر خوارزميات، وصفحات مؤثرة، وجيوش إلكترونية، تعرف جيدًا متى ترفع موضوعًا، ومتى تسقط آخر. فالقضية التي تعاد مشاركتها آلاف المرات، ويعاد تدويرها بصيغ مختلفة، تتحول تلقائيًا إلى "أولوية شعبية”، حتى وإن لم تكن كذلك في ميزان المصلحة الوطنية.

إن صناعة الترند لا تحتاج إلى تزوير، بل إلى توقيت ذكي، ومحتوى عاطفي، وقابلية عالية للانتشار. وقصة علاء، بما تحمله من بعد إنساني وصادم، شكلت مادة مثالية لصرف الانتباه، وإغراق الوعي الجمعي في نقاش جانبي طويل، بينما القضايا الأخطر تمر بلا مساءلة.

الخطير في المشهد ليس تعاطف الناس، بل تطبيع الإلهاء. فحين يعتاد المجتمع أن ينشغل بالقصص الفردية على حساب الأسئلة الكبرى، يصبح من السهل إعادة توجيهه كلما اقترب من ملفات حساسة. وهنا يتحول المواطن من فاعل سياسي إلى متلقٍ سلبي، يستهلك المحتوى بدل أن يصنع الموقف.

الوعي لا يعني رفض التعاطف الإنساني، بل إدراك الفرق بين قضية إنسانية تستحق الاهتمام، وقضية وطنية تستوجب اليقظة. فالتعاطف لا يجب أن يكون بديلًا عن المحاسبة، ولا الترند غطاءً لتمرير القرارات المصيرية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في العراق اليوم هو أن يدار وعي الشارع بالمقاطع القصيرة، وأن تختصر القضايا المصيرية بخبر عابر، بينما تمنح القصص الثانوية مساحةً هائلة من الانشغال.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نترك الخوارزميات تقرر ما نفكر به؟
أم نستعيد حقنا في تحديد أولوياتنا، وكسر دائرة الإلهاء، ومساءلة ما يجري خلف الضجيج


PM:07:01:27/01/2026

ئه‌م بابه‌ته 20 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌