الأزمة المالية في العراق (حين يغيب التخطيط وتُستبدل الإصلاحات بالاستقطاعات)
رياض العيداني
تمرّ الدولة العراقية اليوم بأزمة مالية متكررة لكنها ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة إدارة ورؤية ، فالعراق بوصفه واحداً من أغنى الدول النفطية في المنطقة لا يعاني شحّاً في مصادر الدخل بقدر ما يعاني اختلالاً بنيوياً في كيفية إدارة هذه الموارد وارتباكاً واضحاً في القرارات الاقتصادية وغياباً لاستراتيجية متكاملة تربط الاقتصاد بالسياسة وبمستقبل المجتمع .
عند النظر إلى تجارب الدول التي واجهت أزمات مشابهة يبرز الفارق بوضوح ، فالنرويج على سبيل المثال لم تتعامل مع النفط بوصفه مورداً للاستهلاك الآني ، بل أسست صندوقاً سيادياً استثمر عائداته خارج القطاع النفطي بهدف حماية الأجيال القادمة من تقلبات السوق ، في المقابل لا يزال الاقتصاد العراقي رهينة لمورد واحد تُصرف عائداته على أبواب تشغيلية متضخمة دون تنويع حقيقي أو استثمار إنتاجي مستدام .
أما في ملف الضرائب والإيرادات غير النفطية فإن الخلل أكثر وضوحاً ، فدول مثل تركيا استطاعت عبر ربط النظام الضريبي والجمركي إلكترونياً أن تحدّ من التلاعب وتغلق منافذ الهدر وتحقق عدالة أكبر في التحصيل ، أما المغرب من جهته وسّع القاعدة الضريبية وشدد الرقابة لكن دون أن يخنق المواطن أو يثقل كاهله بزيادات عشوائية ، في العراق على العكس من ذلك لا توجد سيطرة فعلية على المنافذ الحدودية ولا نظام ضريبي عادل وشفاف وغالباً ما يكون الحل الأسهل هو رفع الضرائب والرسوم على المواطن الملتزم أصلاً ما يؤدي إلى تعميق الشعور بالظلم بدل معالجة أصل المشكلة !.
ويبرز الخلل ذاته في سياسات التعليم والتوظيف، ففي دول صناعية كألمانيا يُربط التعليم العالي بشكل وثيق بحاجات سوق العمل وتُضبط التخصصات بما يخدم الاقتصاد الوطني حتى لو تطلب الأمر الحد من التوسع غير المدروس في بعض المجالات ، أما في العراق تُمنح الموافقات الدراسية بلا تخطيط وتُعترف بالشهادات دون تدقيق كافٍ في جودتها أو ملاءمتها ما يؤدي إلى تخمة في سوق العمل ، وعندما تقع الأزمة تُتخذ قرارات قاسية تطال الجميع فتُسوى الشهادة الرصينة بغير الرصينة ويُعاقَب الموظف المجتهد بقرارات لم يكن طرفاً في صناعتها.
وفي إدارة الأزمات المالية تتجلى المفارقة الأخلاقية قبل الاقتصادية ، (فإيرلندا) مثلاً خلال أزمتها المالية بدأت بخفض رواتب المسؤولين الكبار قبل المساس برواتب الموظفين في رسالة واضحة بأن التقشف يجب أن يبدأ من القمة ، وتجربة (كرواتيا) تقدّم مثالاً أكثر رمزية حين أقدمت رئيسة البلاد على بيع الطائرة الرئاسية وتقليص أسطول السيارات الحكومية ، إذا باعت ما يقارب (25 سيارة مرسيدس فاخرة) الخاصة بوزراء الدولة وحولت أموالها الى خزينة الدولة ، وخفضت رواتبها ورواتب الوزراء بأكثر من (30%) واختارت السفر على متن الطائرات العامة بالدرجة الاقتصادية لتقليل نفقات الدولة وإيصال رسالة تضامن حقيقية مع المواطنين ، في العراق لا تزال الرواتب والامتيازات العليا بما فيها رواتب الرئاسات والبرلمان والحالات الخاصة المتراكمة التي تشكّل عبئاً ثقيلاً على الموازنة العامة ، بينما يُطلب من الموظف ذي الدخل المحدود أن يكون (كبش الفداء) عند كل أزمة من خلال فرض الضرائب المباشرة والرسوم ، والضرائب غير المباشرة التي تفرض على التاجر ويتحملها المواطن أيضاً .
إن الخطاب السائد الذي يُحمّل المواطن مسؤولية الأزمة ويدعوه إلى الصبر يتجاهل حقيقة أساسية (المشكلة ليست في حجم الرواتب الدنيا ، ولا في إنفاق المواطن ، بل في سوء الإدارة ، وغياب الأولويات ، واستمرار منظومة اتخاذ القرار بيد جهات لا تمتلك رؤية اقتصادية ولا ارتباطاً فعلياً بمصالح الدولة طويلة الأمد).
إن تشخيص الأزمة يقود إلى نتيجة واضحة وهي أن العراق (لا يعاني عجزاً مالياً بنيوياً ، بل يعاني عجزاً في الحوكمة) الإصلاح الحقيقي يبدأ بتنويع مصادر الدخل عبر الاستثمار المنتج وضبط المنافذ والضرائب بنظم شفافة ، وإعادة هيكلة (سلم الرواتب والامتيازات بعدالة تامة ، وربط التعليم بسوق العمل ، والأهم من ذلك، إرساء ثقافة سياسية تعتبر المال العام أمانة لا غنيمة).
دون هذه الخطوات ستبقى كل معالجة مالية مجرد استقطاع مؤقت وستظل الأزمات تتكرر لأن المشكلة لم تُعالج من جذورها ، بل جرى تحميلها دائماً على أضعف حلقة في السلسلة وهي ("المواطن").
PM:08:06:26/01/2026
ئهم بابهته 16
جار خوێنراوهتهوه