القذارة ثقافة مجتمع ..
رسول عبيد الشبلي
كنت أتسوق الخضار من أحد أصحاب المحال، الذي بطبيعته يتحدث مع الزبائن .. رجالاً ونساءً وشبابا.. ويبادرهم بالحديث دائماً ليكسبهم كعملاء دائمين يتسوقون منه بشكل مستمر. وبالرغم من أن أسعاره تختلف عن السوق بفارق بسيط، إلا أنه يعوض ذلك بزيادة الوزن مئة غرام أو أكثر بقليل.
على أية حال، في ذلك اليوم بادرنا بالحديث.. أنا ورجل آخر طاعن في السن .. فقال: (( تراجعتُ مترين إلى الوراء عندما رأيت صانع الصمون إذ صاح عليه معلمه، ولم يلحق العامل أن يمسح أنفه حتى نزلت (النخامة).. أجلّكم الله .. على العجين، فخلطها معه بسرعة وركض ملبياً نداء معلمه)) .
على ما يبدو من حديث بائع الخضار، فإن عامل الفرن كان مصاباً بالزكام. ويتابع البائع حديثه قائلاً: ((اتصلت فوراً بأهلي وقلت لزوجتي: إذا قلتِ لي يوماً ليس لدينا خبز أو صمون، فسأرسلك إلى بيت أهلك و أبعث خلفكِ ورقة الطلاق )). ثم أغلقت سماعة الهاتف.
بقي ذلك المشهد المريع لا يفارقني، وأقسمت ألا أشتري أي شيء من مطعم أو مخبز، ولّا آكل في أي مكان خارج البيت بسبب القذارة وغياب الاهتمام بصحة الناس.
وكان الرجل محقاً فيما قاله فكم من شخص مثل هذا العامل يعاني من الزكام، بل إن أغلبهم يعاني من أمراض أخرى ولا يُمنح إجازة مرضية ولو بنصف أجر، وكم من عامل لا يلتزم بشروط النظافة الصحية، ولا حتى بمظهره وملبسه! فكثيراً ما نرى في المطاعم الصغيرة ومحال الأكلات السريعة مناظر مقرفة ربما لا يتحملها البعض فيتقيأ؛ ملابس العامل متسخة و يفتقر إلى أبسط شروط السلامة والحماية، والطاولات متراكمة عليها الدهون والأتربة تشبه محل ميكانيكي في الحي الصناعي، كلما أمسكت بشيء امتلأت يدك بالدهون السوداء و الأوساخ.
والمشهد الذي رآه بائع الخضار وقصه علينا ليس الحالة الأولى، بل تكرر معي شخصياً أكثر من مرة. إحدى هذه المرات جئت إلى صاحب مطعم كباب، ومن طبعي أن أتأكد من أن اللحم طازج، و يقطعه لي من ذبيحة الغنم المعلقة؛ فكثير من القصابين ومحلات الكباب يضيفون الصمون اليابس أو الخبز ومواد أخرى إلى اللحم المفروم، وليس خالصاً، مما يجعل طعمه سيئاً.
على كل حال، طلبت نصف كيلو من الكباب واشترطت أن يقطع لي من الذبيحة المعلقة، فأخذ قطعة ووضعها على المنضدة وبدأ يقطعها، فجرح يده، ثم وضع إصبعه المجروح في فمه ليمص الدم! ولا أعرف سر هذه العادة القذرة التي شاهدتها عند الكثيرين. وعاد بعدها يفرم الكباب حتى اختلط دمه باللحم، ثم أخرج شريطاً لاصقاً كهربائياً ولف به يده. أخذت نصف الكيلو ورحلت على مضض، وفور ابتعادي رأيت كومة نفايات—وما أكثرها في الشوارع—فانتهزت الفرصة كون القطط والكلاب تقصد هذه النفايات، ورميت الكباب الدموي هناك.
وتعود هذه الفوضى الصحية التي تهز عروش الإنسانية وتقوضها إلى أسباب هيكلية عميقة؛ منها الغياب التام للرقابة الصحية، وانحسار ثقافة النظافة العامة في المجتمع، لندخل في مرحلة خطيرة من "التطبيع مع القذارة". إن غياب الضمان الاجتماعي يحول هؤلاء العمال إلى ضحايا وأدوات للجريمة البيئية في آن واحد؛ حيث يجبرهم استغلال أصحاب العمل على النزول إلى سوق الإنتاج وهم مثقلون بالمرض و الإنهاك، دون أدنى رعاية أو حقوق ، أما الحقيقة المرة أننا نبتلع المرض يومياً بدم بارد... وخصوصاً إذا كان مع المقبلات.
PM:10:38:29/09/2026
ئهم بابهته 180
جار خوێنراوهتهوه