عمار الحكيم.. أين تكمن قوته الحقيقية؟

‌عامر العيداني

في السياسة العراقية ليس عدد المقاعد البرلمانية دائما هو المقياس الوحيد لحجم السياسي أو قدرته على الحركة والتأثير. وهناك شخصيات تمتلك كتلة نيابية محدودة لكنها تحافظ على شبكة علاقات واسعة تتجاوز حدود البرلمان وتمتد إلى عواصم عربية وإقليمية ودولية ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم السيد عمار الحكيم.
الحكيم ليس صاحب أكبر كتلة برلمانية في العراق بل إن تحالفه حصل في انتخابات 2025 على نحو 18 مقعدا وفق النتائج المنشورة ومع ذلك ظل اسمه حاضرا في المشهد السياسي والإقليمي. وهنا يطرح العراقيون سؤالا مشروعا: من أين تأتي هذه القدرة على الحركة والاتصال؟ وما طبيعة الموقع الذي يشغله الحكيم في شبكة العلاقات السياسية العراقية والإقليمية؟
تاريخيا حافظ الحكيم على علاقات مع عدد من العواصم العربية ففي عام 2010 التقى أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وناقش معه التطورات السياسية في العراق والعلاقات العراقية الكويتية كما واصل لاحقا اتصالاته مع القيادة الكويتية.
وفي الأردن استقبل الملك عبدالله الثاني عمار الحكيم في آذار 2025 وبحث معه العلاقات العراقية الأردنية والتطورات الإقليمية والقضية الفلسطينية.
أما التطور الأحدث فهو زيارة الحكيم إلى القاهرة ولقاؤه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 24 أيلول 2026. اللافت أن اللقاء جرى بحضور رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إلى جانب عدد من مسؤولي الحكيم والسفير العراقي في القاهرة. وبحسب الرئاسة المصرية تناول اللقاء العلاقات العراقية المصرية والتطورات الإقليمية وسبل خفض التصعيد كما أشاد السيسي بالدور الذي يقوم به الحكيم في تعزيز الاستقرار وتقليل التباينات السياسية.
أما العلاقة الأمريكية فهي أكثر تعقيدا فالحكيم أعلن في أكثر من مناسبة أن العراق يحتاج إلى علاقة مع الولايات المتحدة لكنه شدد على أن تكون هذه العلاقة قائمة على المصالح الوطنية العراقية. كما استقبل في أيلول 2025 القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد مؤكدا الانفتاح والتوازن في العلاقات الدولية.
والأكثر إثارة للاهتمام أن تقارير صحفية أمريكية تحدثت في كانون الثاني 2026 عن قيام الحكيم بقراءة رسالة أمريكية أمام اجتماع سياسي عراقي تتعلق بموقف واشنطن من عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة. هذه الواقعة إذا أخذنا التقرير كما نشر تثبت وجود قناة اتصال سياسية مهمة بين الحكيم والجانب الأمريكي.
وهنا يجب أن نفرق بين ثلاثة أمور: سياسي يمتلك قنوات اتصال دولية وسياسي ينقل رسائل بين أطراف مختلفة وسياسي يعمل بتوجيه جهاز استخباري أجنبي. الأول والثاني يمكن الاستدلال عليهما من الوقائع المنشورة أما الثالث فيحتاج إلى وثائق أو أدلة مباشرة وليس مجرد كثرة اللقاءات.
ولعل السؤال الأهم : لماذا يمتلك الحكيم هذه القدرة على التواصل مع عواصم مختلفة وكيف تحولت علاقاته الخارجية إلى عنصر من عناصر قوته السياسية الداخلية؟
الحكيم يتحرك في مساحة سياسية مختلفة عن بعض القوى الشيعية الأخرى؛ فهو يحافظ على علاقات مع طيف واسع من الدول العربية وفي الوقت نفسه لا يقطع جسور التواصل مع الولايات المتحدة وله علاقات سياسية داخل العراق مع قوى متباينة وهذه المساحة الوسطية قد تفسر جانبا من حضوره الإقليمي.
لكن الديمقراطية العراقية تحتاج إلى أن تكون العلاقات الخارجية للسياسيين واضحة أمام الجمهور خصوصا عندما تتحول الشخصية السياسية إلى قناة تواصل بين بغداد وعواصم مؤثرة فالعراقي من حقه أن يعرف: هل هذه الاتصالات تخدم الدولة العراقية أم الحزب أم الشخصية السياسية؟
إن قوة أي سياسي لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد النواب الذين يقفون خلفه وإنما أيضا بقدرته على التأثير في صناعة القرار ولذلك فإن حالة عمار الحكيم تستحق دراسة سياسية هادئة بعيدا عن الاتهام المسبق وبعيدا كذلك عن التبرير.
فالسياسة ليست مجرد مقاعد في البرلمان وإنما شبكة مصالح واتصالات ومواقف. والسؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: هل يمثل عمار الحكيم مشروعا عراقيا مستقلا يحاول بناء جسور مع الجميع أم أن شبكة علاقاته الخارجية تمنحه دورا يتجاوز حجمه الانتخابي؟
الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تكون بالاتهامات وإنما بتتبع المواقف والاتصالات والنتائج والقرارات التي تنتج عنها فهناك فقط يمكن أن تظهر الصورة الحقيقية.


PM:08:38:28/09/2026

ئه‌م بابه‌ته 184 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌