بين واقعية "المصلحة الوطنية" وظاهرة "المدوّن السياسي": أزمة القرار والمسؤولية في العراق

‌عدنان صگر الخليفة

​تُعلمنا العلوم السياسية أن الدول لا تُدار بالعواطف، بل تُقاس هيبتها بمقدار قدرتها على حماية مصالحها الوطنية العليا وأقوات شعوبها. وتتجلى هذه الأزمة اليوم في النقد الإعلامي الحاد واللاذع الذي يشنه مسؤولون ونواب ضد القرار الحكومي القاضي بامتثال العراق لقرارات حظر شركات الطيران الإيرانية، متجاهلين أن الواقعية المالية تفرض على السلطة التنفيذية اتخاذ تدابير لحماية البنية التحتية من خطر العزلة الدولية والمصرفية.
​وتزداد المفارقة وضوحاً حين نربط بين ملف الطيران وشريان الحياة للعراق المتمثل بالماء والنفط؛ ففي الوقت الذي تُجرّم فيه المواثيق الدولية قطع الأنهار المشتركة أو تحويلها، نرى بعض دول الجوار تتذرع بأولويات أمنها المائي والداخلي لحماية مجتمعاتها. وعلى المنوال ذاته، فرضت التحركات الإيرانية في مضيق هرمز واقعاً أدى إلى منع تصدير النفط العراقي من جانبها لحماية مكتسباتها وإظهار نفوذها، مما اضطر الدولة العراقية لتأمين تصدير نفطها عبر المياه الإقليمية لسلطنة عُمان. وإذا كان من الحق الشرعي والسياسي لإيران أو غيرها الدفاع عن أمنها ومصالحها، فلماذا يُستنكر على المؤسسات العراقية ممارسة حقها الوجودي في حماية شريانها المالي والمائي وأقوات مواطنيها بنفس المنطق؟
​وفي مقابل هذه الواقعية التنفيذية، يقف الشارع أمام ظاهرة نادرة في النظُم البرلمانية؛ حيث تخرج تصريحات رافضة لقرار الطيران من شخصيات نافذة في هيئة رئاسة مجلس النواب تصفه بـ "غير القانوني". وهنا يبرز التساؤل الدستوري: إذا كان نائب رئيس البرلمان، بوصفه جزءاً من أعلى سلطة تشريعية، يرى أن الحكومة ارتكبت خطأً، فأين الأدوات الدستورية التي بيده؟ إن الدستور لم يمنح هيئة الرئاسة والنواب مقاعدهم ليتحولوا إلى مدونين سياسيين يكتفون بالتنديد من وراء الشاشات، فالإحجام عن استجواب رئيس الحكومة أو تشكيل لجان تحقيق، والاستعاضة عن ذلك بالخطاب التعبوي، يحول المؤسسة التشريعية من ظهير رقابي إلى منبر لإسقاط الفرض وامتصاص غضب الجماهير.
​ولا يخفى أن رئيس الوزراء جاء حصيلة مفاوضات وتوافق سياسي شاركت فيه الكتل البرلمانية ذاتها التي تهاجم قرار حظر الطيران اليوم. وحين تكتفي هذه الكتل بالنقد الشفهي دون سحب الغطاء السياسي أو ممارسة الأدوات الرقابية، فإن هذا السلوك لا يُفسر إلا بوصفه إستراتيجية لإبراء الذمة ومحاولة للحفاظ على المكاسب خلف الكواليس مع رمي اللائمة على رئيس الوزراء أمام الشارع.
​إن التغاضي عن خيارات العراق الاضطرارية لتأمين شريان نفطه ومياهه مقابل افتعال الأزمات الشفهية حول قرارات امتثال تنظيمة كحظر الطيران يكشف أن المعيار الحاكم لدى بعض القوى هو الاصطفافات المزدوجة والمزايدات الإعلامية. لقد انتهى زمن إدارة الدولة عبر بيانات التنديد، والمطلوب اليوم هو العودة لمنطق المؤسسات وتفعيل الأدوات الدستورية لبناء دولة تُدار بـ "منطق المصلحة الوطنية أولاً" ولا تخجل من الدفاع عن مصالحها العليا أمام الجميع.


PM:04:55:26/09/2026

ئه‌م بابه‌ته 236 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌