ناقوس الحقيقة!!

‌مازن صاحب

ما بين صخب المعارك، وضجيج الأخبار، وازدحام الطرق، يدق ناقوس الحقيقة...حين تختبر قدرة الدولة على إدارة الأزمات ما بين حماية ألامن المعيشي بالتوازي مع حماية أمنها الوطني.
هكذا تبدو مقولة (أحشفًا وسوء كيل) الأقرب إلى توصيف المشهد العراقي.. . قضية نفي استعداد السيد رئيس مجلس الوزراء للاستقالة ليست جوهر الأزمة، بقدر ما تعكس استمرار محاصرة قراره من قيادات الإطار التنسيقي، بما يعيد إنتاج نموذج رئيس الوزراء بدرجة مدير عام!!.. ربما.. ربما تلغي صولات الفجر لمكافحة الفساد.. وحصر السلاح فعلا بيد دولة عراق واحد وطن الجميع.
في ظل هذا الواقع، تتزاحم التساؤلات أكثر من الإجابات. تواجه الحكومة تحديات مالية حقيقية في تأمين الرواتب، وقد تتعاظم هذه التحديات إذا استمرت الحرب الأمريكية ضد ايران واتسعت تداعياتها الاقتصادية.. يصبح السؤال مشروعًا: هل تكفي شعارات (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) للإجابة عن هواجس ملايين المواطنين، أم أن إدارة الدولة مطالبة بالتعامل مع الحرب ومتطلبات المعيشة بوصفهما مسؤوليتين متلازمتين لا متعارضتين؟
هذه التساؤلات لا تبحث عن إجابات في سجال سياسي عفبم ، بقدر ما تبحث عن طمأنة دستورية. فالمواطن الذي ينتظر راتبه يهمه أن تبقى مؤسسات الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وأن تمتلك رؤية واضحة لإدارة المرحلة، مهما بلغت التحديات.
مع ذلك، لم يشهد الموقف السياسي حتى الآن حراكًا استثنائيًا يتناسب مع حجم المخاطر. فلا جلسات طارئة معلنة لمجلس النواب تناقش السيناريوهات الاقتصادية والأمنية المحتملة، ولا مؤشرات واضحة على اجتماعات مكثفة للمجلس الاقتصادي الوزاري تعرض للرأي العام بدائل التعامل مع تطورات الأزمة، كما لم تصدر مواقف سياسية جامعة لتحالف إدارة الدولة.. تطمئن المواطنين إلى أن امتلاك خططًا تتجاوز ردود الأفعال... ولم تصدر المرجعيات الدينية للاسلام السياسي فتاوى تلزم الحكومة الحفاظ على (بيضة الإسلام) في ديمومة معيشة المواطن /الناخب في دولة برلمانية!!.
لعل أكثر ما يثير القلق أن المواطن لا يرى في المشهد العام ما يوازي حجم التحديات التي تفرضها المرحلة. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف من تداعيات الحرب على الاقتصاد الوطني، تستمر منظومة الامتيازات على حالها، وتُخصص مليارات الدنانير لمجلس النواب والوزراء وجيوش المستشارين، وتبقى مواكب أحدث سيارات الدفع الرباعي والحمايات المتعددة جزءًا من المشهد اليومي، فيما تتراجع الإجابات عن الأسئلة التي تشغل المواطن إلى آخر سلم الأولويات.
لذلك تستحضر الذاكرة المثل العربي الشهير (أحشفًا وسوء كيل). فقد روي أن رجلًا قصد شراء التمر، فجمع له البائع أردأ ما عنده، وبين بخس الكيل، فصار المثل يضرب لاجتماع ظلمَين في موقف واحد. وربما يجد كثير من المواطنين في هذا المثل توصيفًا لحالهم اليوم؛ فهم ينتظرون رواتبهم وسط غلاء متصاعد في تكاليف المعيشة، بينما تتسع دائرة القلق من المستقبل الاقتصادي.
ولا يقف الأمر عند الرواتب وحدها، بل يمتد إلى مجمل الخدمات الأساسية. ففي قطاع الصحة، تتزايد شكاوى المواطنين من ارتفاع أسعار الأدوية، في وقت أعلن فيه وزير الصحة أن الشركة العامة للأدوية والمستلزمات الطبية لم تتلقَّ التمويل الذي يمكنها من أداء دورها بالشكل المطلوب. وبين الحاجة إلى الدواء، وارتفاع كلف العلاج، يجد المريض نفسه أمام معادلة لا ترحم.
أما في قطاع الكهرباء، فيتكرر المشهد ذاته. فكل شهر تصدر تسعيرة المولدات الأهلية، لكن كثيرًا من المواطنين يشكون من ضعف الالتزام بها، فيدفعون مبالغ تفوق التسعيرة المعلنة، لتتحول الكهرباء إلى عبء إضافي يضاف إلى أعباء الماء، والبطاقة التموينية، والنقل، والتعليم الأهلي، والخدمات الصحية.
هذه ضرائب غير منظورة، يدفعها المواطن من دخله المحدود، تستنزف القيمة السوقية لراتبه الذي يتبخر قبل منتصف الشهر، بينما يبقى الحديث عن الإصلاح الإداري والمالي يدور في الحلقة نفسها لمفاسد المحاصصة ، من دون نتائج يلمسها الناس في حياتهم اليومية.
قد يقول قائل الاولولية لصوت المعركة ، وإن المرحلة تستوجب الجهاد بالنفس والمال، بل هناك من يقارن هذا الواقع بما تعيشه إيران وهي تواجه العدوان الإسرائيلي الأمريكي. غير أن المقارنة لا تستقيم بالشعارات وحدها، وإنما بما يراه الناس من سلوك المتصدرين للسلطة قبل أن تسمعه من خطاباتهم .
لا تطالب الدول التي تخوض الحروب من شعوبها الصبر، فيما تواصل طبقتها الحاكمة التوسع في الامتيازات، ولا تدعو إلى التقشف وهي غارقة في مظاهر البذخ. في العراق،.. مازالت مواكب المسؤولين، وجيوش المستشارين، وامتيازات المحاصصة، تقدم للمواطن صورة معاكسة تمامًا لما يطلب منه من تضحية وصبر... ولعل مشاهد الأموال والذهب المستخرج من كهوف مفاسد المحاصصة في جريمة واحدة يكغي للدلالة على هذا الفارق الكبير!!
هنا تكمن المفارقة. فالمواطن لا يعترض على الجهاد دفاعًا عن الوطن، ولا يرفض تحمل أعباء المرحلة، لكنه يتساءل: لماذا يصبح الجهاد واجبًا على الفقير وحده، بينما تبقى امتيازات السلطة بمنأى عن أي مراجعة؟ ولماذا يطلب من المتقاعد والموظف شد الأحزمة، في الوقت الذي ما زالت فيه أبواب الإنفاق السياسي مفتوحة على مصاريعها؟
لقد آن الأوان لمصارحة الشعب، وتلك مسؤولية دستورية تقع على عاتق مجلس الوزراء ورئيسه السيد الزيدي، كما تقع على عاتق مجلس النواب والقوى السياسية جميعًا. فالمواطن لا ينتظر خطابات رنانة عن الجهاد ، بل قرارات تعيد إليه الثقة بأن المتصدرين مقاعد السلطة شاركونه أعباء المرحلة... عندها فقط، تخضر مقولة الإمام علي (ع): "لو كان الفقر رجلًا لقتلته" حكمة تتردد على الألسن، فيما يزداد الفقر قوة، ويزداد المواطن ضعفًا... وكم سيشهر سيفه دفاعا عن حقوقه... ولله في خلقه شؤون!!


PM:01:13:01/08/2026

ئه‌م بابه‌ته 112 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌