الميراث المسموم
رياض الفرطوسي
تسير الشيخوخة ببطء في أروقة المقرات والقصور الفارهة، حيث ينشغل جيل "الآباء المؤسسين" للأحزاب والتيارات اليوم بمهمة أخيرة: تسليم مفاتيح الجاه، والمال، ومصائر الأتباع إلى الأبناء. لكن المعضلة الأكبر لا تكمن في توريث العقارات والأرصدة ومفاتيح الاحزاب ، بل في انتقال "الكتالوك النفسي" والتنظيمي الذي أداروا به البلاد طوال عقدين؛ كتالوك لم يُصنع في لحظة سقوط النظام السابق عام 2003، بل طُبخت مسوداته الأولى في دهاليز المنافي الباردة قبل نصف قرن.
حين كتب ألبير كامو أن "الحلم والدولة أمران متناقضان"، كان يشير إلى اللحظة التي تلوّث فيها يوتوبيا الثوار بواقعية السلطة. غير أن مفارقة المعارضة العراقية في منافيها الشتيتة، من ستوكهولم، وكوبنهاغن، ولندن، وواشنطن وامستردام إلى دمشق وطهران وبيروت ، كانت أشد تعقيداً. هناك، في بيئات ديمقراطية مفتوحة أو حواضن إقليمية صراعية، لم يتنفس الهاربون قيم التعددية، بل استبطنوا "المكان المشوه" الذي غادروه. تحولت التجمعات إلى غيتوهات سايكولوجية ( تجمعات معزولة ومغلقة، وتُستخدم مجازياً لوصف الانغلاق الفكري والنفسي عن المحيط) يسودها رعب مرضي وشك مستدام، حيث الغلبة ليست للمشروع السياسي بل لآليات الدفاع الغريزية.
تُظهر دراسات علم النفس السياسي ومذكرات تلك المرحلة كيف نجحت مخابرات نظام صدام في "حجز المستقبل" عبر اختراق خلايا المنفى. لم يكن الهدف تصفيتهم جسدياً دائماً، بل صناعة معارضة ممزقة مثقلة بالتشوهات البنيوية على صورة النظام نفسه. إنها ذات الاستراتيجية التاريخية التي وظفها جهاز (KGB) السوفيتي حين لاحق الأديب ألكسندر سولجنستين بعد نشره "أرخبيل الغولاغ" : إذ لم تكتفِ الماكينة بتكذيبه، بل حقنته بتهم "الجنون والتعصب" لضرب مصداقيته الأخلاقية. وهو تماماً ما فعلته وكالة المخابرات الأمريكية في السويد عبر عملية "الفوضى" (Operation CHAOS) لغسيل مخ مناهضي حرب فيتنام، حيث زُرع المحتالون وأرباب السوابق داخل التنظيمات لإنتاج "انقسام صارخ" يمنعهم من التشكل كقوة واعية.
في المختبر الاوربي ، تلاشت الفوارق الأيديولوجية بين معارض يساري، أو إسلامي، أو قومي : إذ توحدوا جميعاً تحت مظلة "الفكر التنظيمي المأزوم". كان الحق في الاختلاف أو الفردية يُجابه بعنف ناعم وخفي وتسقيط وتهميش وطرد . وحين عجزت تلك البنى الحزبية التقليدية عن مجاراة النقاء القانوني للدول المضيفة، حوّلت صراعاتها الفكرية إلى معارك "كيدية"، وصلت في بعض الأحيان إلى تقديم شكاوى بوليسية وتواقيع جماعية ضد رفاق الأمس بتهم عمالة مفبركة، أثارت دهشة المحققين الغربيين لبدائيتها الفكرية.
هذا التناقض البنيوي طَرَحَ سؤالاً استشرافياً مبكراً: كيف يمكن لتنظيمات تضيق بالحق في التخيل والاختلاف وهي في الفضاء الليبرالي، أن تقود بلداً مثقلاً بالتنوع والجراح؟
الواقع القائم اليوم هو الإجابة الشاخصة. النظام السياسي ليس وليد صدفة جيوسياسية، بل هي حصاد ذلك العقل المأزوم القائم على الهوس والاستحواذ الذي تدرب في المنافي على أدوات الإقصاء والتشهير قبل أن يطبقها في الداخل. واليوم، يعاد إنتاج المشهد بحذافيره؛ فبينما يظن المراقب السطحي أن الشوارع والمقرات والمقاهي والرتابة اليومية هي "الواقع العراقي"، فإن الواقع الحقيقي يظل محجوباً، غاطساً في تراث معقد من توارث العقل السياسي المشوه. وفي مفارقة ساخرة، تذوب الهويات المرفوعة (حداثية، إسلامية، علمانية) في ركض جماعي محموم نحو الاستحواذ والغنائم والاستعراضات ، بينما يستعد جيل الأبناء لاستلام "الميراث المسموم" لمواصلة اللعبة بذات الأدوات ونحو ذات المجهول.
PM:05:51:26/05/2026
ئهم بابهته 56
جار خوێنراوهتهوه