في العراق، حقق ترامب خلال تغريدة ما تطلب من بوش جيشاً كاملاً لإنجازه

‌هيوا محمود عثمان

في 2003 احتاج جورج بوش إلى 150 ألف جندي ليُسقط صدام حسين. وفي 2026 احتاج دونالد ترامب إلى تغريدة ليُبعد نوري المالكي.

قد تبدو العبارة ساخرة لكنها تصف انتقال القوة من الدبابة إلى الدولار، ومن المدرعة إلى تويتر أو أكس بسبب فشل قادة العراق في التأسيس لاستقلالية اقتصادية مبنية على النظم الحديثة، وبالتالي.. لم يتغير العراق كثيراً، والذي تغيّر هو شكل القبضة الأمريكية.

في 2003 دخلت واشنطن بغداد بجيش جرار ووزارة الدفاع، اليوم تحكم قبضتها بالاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة.

باستثناء الكرد الذين أتقنوا لعبة التوازن مبكراً، كان معظم السياسيين العراقيين ولسنوات طويلة يمارسون سياسة مزدوجة:

الولاء العلني لإيران، والاعتماد الفعلي على الولايات المتحدة، يتباهون بـ”المقاومة” في الخطاب، ويتعاملون بالدولار على الأرض.

يشتمون واشنطن في النهار، ويحتاجون توقيعها في المساء. وكانت واشنطن بحكم براغماتيتها أو ربما مللها منهم تبتسم دبلوماسياً.

خلال تلك الفترة، بنت طهران شبكاتها بهدوء: فصائل، أحزاب، أذرع، ظلال.

وكانت أمريكا تهندس شيئاً آخر: نظاماً مالياً محكماً.

فمنذ 2003، تُودَع عائدات النفط العراقي في الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. تفصيل بدا تقنياً في حينها إلى أن أصبح سياسياً.

في كانون الثاني 2020، وبعد تصويت البرلمان العراقي، في الجلسة التي لم يحضرها الكرد، على إخراج القوات الأمريكية؛ لوّح ترامب بإمكانية تقييد وصول العراق إلى حساباته. واكتشف المصوتون أن السيادة تمر عبر نيويورك.

في حينها لم تكن المسألة تهديداً. كانت تذكيراً من ترامب بأن حامل المفتاح يتحكم بالباب.

ثم جاءت 2023. تشديد على تحويلات الدولار، متطلبات التدقيق الإلكتروني على الحوالات، ومنع 14 مصرفاً عراقياً من التعامل بالدولار، الدينار تأرجح، السوق ارتبك، وتعالى صراخ النواب دون جدوى.

كل هذا ولم تُرسل واشنطن جندياً واحداً بل اكتفت بالضغط على بعض الأزرار مذكرة العراقيين أن هندستها الاقتصادية قد تضعهم قاب قوسين أو أدنى تحت عقوبات مؤلمة.

سيادة البلاد قد تبدو متكاملة، لكن عائدات النفط، سيولة الدولار، نظام السويفت، مراقبة العقوبات على إيران، التأمين البحري، أسيكودا، الامتثال المالي وغيرها تشكل شبكة لا تُرى، لكنها تمسك بالمفاصل وتجعل اقتصادنا يتنفس بإذن من ترامب.

صحيح أنه لم يبنِ هذا النظام الذي راكمه الجمهوريون والديمقراطيون عبر السنين، لكن ما فعله هو إخراج أدواته من الأدراج واستخدامها.

أسلافه كانوا يقولون بدبلوماسية "نحن قلقون” أما هو فيقولها على المكشوف "لا وقت لدي للألاعيب ولا للغموض”.

المفارقة هنا هي أن العراق لم يُحتل مالياً، بل انخرط طوعاً في نظام لا يستطيع الخروج منه، ولا يبدو أن ذلك كان هماً للساسة الذين كانوا منهمكين عبر السنين بلعبة الازدواجية السياسية: واشنطن في السر، طهران في العلن، تصريح هنا، إشارة هناك، وابتسامات في الاتجاهين.

ولم يكن الاقتصاد الذي لا يفهم المجاملات من أولوياتهم، لقد عاملوه كواقع حال وعندما اكتشفوا أن الدولار لا يجيد الخطابة أو يستجيب لها، كان قد فات الأوان.

اليوم، رئيس الوزراء القادم — أيّاً كان اسمه — لن يملك ترف الغموض، لن يستطيع أن يكون أمريكياً في المصرف وإيرانياً في تويتر، لن يستطيع أن يغازل طهران في الصباح ويطلب استقرار العملة في المساء.

إيران قد تبارك اختياره والكتل قد تتقاسم القرار والبرلمان قد يصوت أو يساوم والمقاوم قد يستمر في "المقاومة”، لكن ترامب يتحكم ببيت المال في نيويورك.

في الماضي، احتاجت واشنطن إلى جيوش لإعادة ترتيب العراق. اليوم يكفيها أن تلوّح بإحدى أدواتها.

هذه ليست قوة شخصية أو عبقرية تغريدية لترامب، إنها نتيجة عقدين من الفحص، والتجربة، والفهم القاسي لكيف يعمل العراق وساسته ومن أين يُمسك.

المفارقة الأكبر أن السياسيين الذين كانوا يحاولون أن يلعبوا لعبة التوازنات بين إيران المقاوِمة وأمريكا المهيمنة، اكتشفوا متأخرين أن الهيمنة ليست دبابة أبرامز أو فصيل مسلح يستولي على أحد مرافق الدولة. إنها التحويل المصرفي الذي لا يمر. وأنهم لايستطيعون أن يفعلوا شيئاً حيال ذلك.

في عراق اليوم، المعركة ليست على الحدود أو في الشارع ولا في البرلمان ولا حتى في المنطقة الخضراء.

المعركة في واشنطن حيث البيت الأبيض والخزانة الأمريكية.

وأحياناً، تبدأ بتغريدة.


PM:07:31:18/02/2026

ئه‌م بابه‌ته 60 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌