الصحافيون العراقيون بين الفصل التعسفي والضغوط السياسية

‌

Westga news– عربية

بعد ثلاث سنوات من العمل سكرتير تحرير في مؤسسة إعلامية عراقية، وجد صحافي نفسه خارج مجموعة الأخبار على تطبيق واتساب، بعدما تقدم بشكوى بشأن الإهانات وسوء المعاملة التي تعرّض لها من الإدارة التي كان يرأسها موظف في مؤسسة أمنية، ولم يحصل على مستحقاته المالية بعد فصله، فيما كانت المؤسسة قد اقتطعت جزءاً من راتبه متذرعة بالأزمة المالية، فضلاً عن حرمانه من الضمان الاجتماعي طوال سنوات عمله.


يقول الصحافي لـ"العربي الجديد" إنه تحمل تلك الممارسات طويلاً لحاجته الماسة إلى الراتب، قبل أن يقرر الاعتراض عليها في مؤسسة كان مديرها يعمل أيضاً في المقاولات، ويحظى بدعم سياسي ونيابي بحسب شهادته.

انتقل الصحافي بعدها إلى مؤسسة إعلامية أخرى للعمل محرراً، لكنه فوجئ بأن سكرتير التحرير فيها كان يعمل سابقاً في تصليح السيارات، بمهنة تعرف محلياً بـ"الفيترجي"، قبل أن يتولى، وفق روايته، منصبه بتدخل من اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية المرتبط بإيران، ويوفر التمويل والتدريب والدعم الفني واللوجستي لقنوات مرتبطة بفصائل وأحزاب سياسية، ويساهم في وضع استراتيجياتها الإعلامية.

لم تكن ظروف العمل مختلفة كثيراً، فقد تعرض مجدداً للإهانات. وعندما اعترض عليها، أبلغه مدير المؤسسة، وهو مهندس ورجل أعمال، بأن عليه تحمل إساءات مدير الأخبار لأنه مسؤوله المباشر، وأنه منح المديرين حرية التصرف مع الموظفين كما يشاؤون، ولا يريد الانشغال بمشكلاتهم.
وانتهت تجربته الثانية بخسارة وظيفته أيضاً بعد أربع سنوات من العمل في المؤسستين. ويرى الصحافي أن المهنية آخر ما تبحث عنه إدارات أغلب المؤسسات الإعلامية، وأن ما تريده هو صحافي مطواع ينفذ أجندتها من دون اعتراض، حتى لو كان يفتقر إلى الخبرة والكفاءة، مشيراً إلى أن العلاقات السياسية والشخصية باتت في كثير من الأحيان أهم من المؤهلات الصحافية في التوظيف وتوزيع المناصب التحريرية.

لم يجد الصحافي طريقاً لاستعادة حقوقه عبر نقابة الصحافيين العراقيين؛ إذ يقول إن العاملين فيها أبلغوه بأن النقابة غير مسؤولة عن المؤسسة الأولى لعدم تسديد اشتراكها، فيما أخبره أحد العاملين بأن مدير المؤسسة الثانية يشغل منصب مستشار في النقابة، ويتمتع بنفوذ كبير داخلها، رغم أنه مهندس ومقاول. بذلك، انتهت محاولاته لتقديم شكوى بشأن فصلين يعتبرهما تعسفيين، من دون الحصول على تعويض أو ضمانات تحميه من تكرار التجربة.

تعكس شهادات جمعتها "العربي الجديد" من صحافيين وأكاديميين ومسؤولين في مؤسسات مهنية جوانب أخرى من ظروف العمل داخل وسائل الإعلام العراقية؛ فيواجه العاملون رواتب متدنية، وغياباً للعقود والضمانات الوظيفية، إلى جانب الضغوط السياسية، والتدخل في السياسات التحريرية، ما يدفع بعضهم إلى تحمّل ظروف العمل القاسية، أو البحث عن وظائف إضافية لتأمين احتياجاتهم المعيشية.

في أغسطس/آب الماضي، كشفت الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين عن نتائج بحث أجرته بشأن الأوضاع الاقتصادية للعاملين في المهنة، وأشارت إلى أن 68% من الصحافيين العاملين في المؤسسات الإعلامية الخاصة يتقاضون رواتب تتراوح بين 300 ألف و800 ألف دينار شهرياً، فيما يعمل أكثر من 55% بالقطعة أو بعقود مؤقتة تفتقر إلى الضمانات الوظيفية والاجتماعية، ورصدت الجمعية 42 حالة تأخر في صرف الرواتب لأكثر من ثلاثة أشهر خلال عام 2025.

الصحافي علي اللامي واحد من الذين فقدوا أعمالهم بعد سنوات طويلة في مؤسسات إعلامية مختلفة. يقول لـ"العربي الجديد" إنه عمل في بعض المؤسسات ثماني سنوات وفي أخرى عشر سنوات، قبل أن يخسر وظيفته، من دون الحصول على تعويضات. ويصف سهولة الاستغناء عن الصحافيين في المؤسسات التي لا تبرم عقوداً معهم، إذ يمكن أن تنتهي سنوات العمل برسالة عبر "واتساب" أو اتصال هاتفي لا يستغرق سوى ثوان. لم تكن أسباب فقدانه العمل مرتبطة دائماً بخلافات مع الإدارات؛ فقد أغلقت مؤسسات عمل فيها أبوابها نتيجة توقف التمويل، لكنه واجه مشكلة تمثلت في تهديدات تلقاها من أشخاص تناولتهم تقاريره المتعلقة بالفساد في قطاعات مختلفة، ما دفعه إلى تجنب بعض الملفات الحساسة، خشية التعرض لملاحقات أو ضغوط من قوى متنفذة.

أما الصحافي علي أمين فيرى أن غياب عقود العمل جعل مستقبل الصحافي مرتبطاً بقرار مدير المؤسسة الذي يستطيع الاستغناء عن خدماته في أي وقت من دون ضمانات واضحة. ويشير إلى أن ضعف الرواتب يدفع كثيرين إلى العمل في أكثر من مؤسسة إعلامية، فيما لا يجد المفصولون جهة تضمن استعادة حقوقهم. ينتقد أمين دور نقابة الصحافيين في معالجة هذه الحالات. يقول إن تدخلها لإعادة الصحافيين المفصولين نادر، كما أن العاملين في المهنة قلما يلجؤون إليها لضعف ثقتهم بجدوى تدخلها، معتبراً أن العلاقة بين النقابة وكثير من الصحافيين أصبحت مرتبطة بتسديد رسوم الاشتراك، والحصول على الهوية، أكثر من ارتباطها بحماية الحقوق المهنية.

هذه الانتقادات لا تقتصر على الصحافيين الأفراد؛ إذ يؤكد مدير مرصد الحريات الصحافية في حديث مع "العربي الجديد"، زياد العجيلي، أن المرصد تلقى خلال السنوات الماضية شكاوى تتعلق بالفصل والتهديد بالطرد والتضييق على صحافيين، بسبب اعتراضهم على ظروف العمل، أو بسبب خلافات حول السياسة التحريرية والتدخل في المحتوى الإعلامي، لكنه يوضح أن كثيراً من المتضررين يرفضون إعلان أسمائهم أو أسماء المؤسسات، خشية خسارة فرص عمل أخرى مستقبلاً.

لا يقدم العجيلي رقماً محدداً لهذه الحالات، بسبب الحاجة إلى مراجعة سجلات التوثيق، والتأكد من تفاصيل الشكاوى. يشير إلى أن بعض الصحافيين تمكنوا من استعادة جزء من مستحقاتهم عن طريق القضاء أو التفاوض، بينما دفع طول الإجراءات، والخوف من خسارة فرص العمل آخرين إلى التنازل عن حقوقهم. ويرى أن المؤسسات الإعلامية تستفيد من ضعف التفتيش والرقابة وغياب آليات سريعة لمعالجة النزاعات المهنية.

يمنح قانون حقوق الصحافيين العراقي رقم 21 لسنة 2011 العاملين في المهنة ضمانات تتعلق بعلاقتهم مع المؤسسات الإعلامية؛ إذ تلزم المادة الثالثة عشرة المؤسسات المحلية والأجنبية بإبرام عقود عمل مع الصحافيين، وفق نموذج تعده النقابة مع إيداع نسخة لديها، كما تمنع المادة الرابعة عشرة الفصل التعسفي، وتتيح المطالبة بالتعويض وفق قانون العمل النافذ. غير أن شهادات الصحافيين تظهر أن تطبيق هذه الالتزامات لا يزال موضع شكوى في عدد من المؤسسات.

يربط الصحافي والأكاديمي هاشم حسن، عميد كلية الإعلام السابق، هذه المشكلات بطبيعة ملكية وسائل الإعلام وتمويلها، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن الظروف الاقتصادية تحول دون قدرة الصحافيين على إنشاء مؤسسات مستقلة، فيما تتركز وسائل إعلام كثيرة بيد الأحزاب والقوى السياسية التي تستخدمها للترويج لمواقفها ومصالحها. ويقول إن حاجة الصحافي إلى العمل تدفعه أحياناً إلى قبول شروط المؤسسات الحزبية، رغم ما يواجهه من ضغوط مهنية واقتصادية.

يعتقد حسن أن التهديدات التي يتعرض لها الصحافيون بسبب آرائهم، دفعت بعضهم إلى الهجرة، بينما تراجع مستوى المهنية داخل مؤسسات إعلامية، بسبب وصول أشخاص يفتقرون للخبرة الصحافية إلى مناصب تحريرية متقدمة بفعل الوساطات والعلاقات الشخصية. ويتحدث كذلك عن انتشار ممارسات الابتزاز في بعض القنوات الفضائية، وانتقاده آليات منح العضوية النقابية التي يرى أنها أصبحت إجراءات شكلية لا تتحقق بصورة كافية من كفاءة المتقدمين.

تأتي هذه الشهادات في وقت تراجع فيه العراق إلى المرتبة الـ162 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، بعدما كان في المرتبة الـ155 خلال العام السابق، وسجل موقعاً أكثر تراجعاً في المؤشر الاقتصادي لحرية الصحافة بحلوله في المرتبة الـ169 عالمياً. وتربط المنظمة بين الأزمات المالية والتدخلات السياسية والتهديدات التي تواجه الصحافيين العراقيين.

أما جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق؛ فقد وثقت 182 انتهاكاً خلال عام 2025، شملت 34 حالة اعتقال واحتجاز، و53 حالة منع من التغطية الصحافية، و22 حالة اعتداء وعرقلة للعمل، و28 دعوى قضائية على خلفية النشاط الصحافي، إضافة إلى سبع حالات تهديد وترهيب. وكانت بغداد الأكثر تسجيلاً للانتهاكات بواقع 62 حالة، تلتها السليمانية والبصرة.

ولا تقتصر الضغوط الاقتصادية على المؤسسات التي تواجه صعوبات مالية، بحسب الصحافي صلاح بابان، الذي تولى رئاسة تحرير وإدارة عدة وكالات إخبارية؛ إذ يرى أن بعض المؤسسات تمتلك موارد جيدة من التمويل السياسي والإعلانات والدعم الذي تحصل عليه من جهات مختلفة، لكنها لا توفر للعاملين فيها ضمانات تتناسب مع إمكاناتها المالية.

يقول بابان لـ"العربي الجديد" إن الامتناع عن توقيع العقود قد يكون خياراً تتخذه إدارات بعض المؤسسات، حتى تبقى قادرة على إنهاء خدمات الصحافيين عند حدوث خلافات من دون تحمل التزامات واضحة، ويشير إلى أن النفوذ السياسي لأصحاب المؤسسات ينعكس على حجم التمويل الذي تحصل عليه، فيما يتأثر العاملون فيها بتغير المصالح والظروف السياسية. وينتقد إدارة مؤسسات إعلامية من شخصيات حزبية ورجال أعمال لا يمتلك بعضهم خبرة مهنية كافية، معتبراً أن ذلك ساهم في تحويل بعض المؤسسات إلى مشاريع للكسب المالي والسياسي على حساب المعايير الصحافية وحقوق العاملين فيها. ويحمّل الحكومة والبرلمان والنقابات مسؤولية معالجة هذه الاختلالات وضمان تطبيق القوانين.

في مواجهة هذه الانتقادات، يقر عضو نقابة الصحافيين العراقيين، هادي جلو مرعي، بأن بعض المؤسسات تتجنب توقيع عقود العمل مع الصحافيين حتى لا تتحمل التزامات قانونية تقيّد قراراتها. يقول لـ"العربي الجديد" إن النقابة تتواصل مع المؤسسات الإعلامية لمحاولة معالجة المشكلات التي تواجه العاملين فيها، لكن هذه الجهود تصطدم أحياناً برفض الإدارات التعاون معها.

يعزو مرعي محدودية تأثير النقابة إلى تعدد مراكز القرار والنفوذ الذي تتمتع به المؤسسات الإعلامية في العراق، مشيراً إلى أن بعض الصحافيين يعملون من دون عقود أو ضمانات، ولا يبلغون النقابة بذلك إلا بعد وقوع الخلاف مع إداراتهم. ويؤكد أن النقابة تحاول تقديم المساعدة القانونية والضغط من أجل تشريعات تدعم حقوق العاملين في المهنة، لكن مرعي لم يقدم أرقاماً عن عدد الشكاوى التي تلقتها النقابة خلال العام الحالي، أو حالات الفصل التي تمكّنت من معالجتها وإعادة أصحابها إلى العمل.

تقرير: علي الأبرز


PM:09:24:07/11/2026


ئه‌م بابه‌ته 268 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌



اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك