"نهاية اختبار الدولة.. فصائل تأخذ القرار رهينة وقوى نافذة تضع رأس مالها في مشروعين متضادين"


Westga news- عربي

لم يقتصر سلوك الفصائل على مخالفة الموقف الحكومي "المحايد" والموقف السياسي للاطار التنسيقي الذي أكد على ابعاد العراق عن الحرب، بل ذهبت الفصائل لفرض رؤيتها السياسية والأمنية على الممثل السياسي الشيعي الحاكم وعلى الدولة بالمجمل، دون النظر في التداعيات المحتملة وسقف الردود الأمريكية المتوقعة


تعيش الدولة العراقية واحدة من اكثر اللحظات صعوبة في اختبار إثبات امتلاكها لمقومات وجودها، بعد نحو شهر من الحرب الأمريكية الايرانية، فالدولة بمؤسساتها تتعرض لضربات من جميع الاطراف المتحاربة، هجمات ايرانية على أهداف باقليم كردستان، وقصف امريكي اسرائيلي لمواقع أمنية في مختلف مناطق البلاد، ومنشآت حكومية ودبلوماسية على مرمى نار "فصائل المقاومة”، بينما تختفي الحكومة ومعها الاطار التنسيقي الحاكم وراء بيانات التنديد والتحذير.

منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب التي شنها الطيران الأمريكي والاسرائيلي، ظهر السبت 28 شباط/فبراير، تحول العراق لساحة حرب موازية للساحة الايرانية عندما شنت الطائرات هجمات على مدينة جرف الصخر شمال محافظة بابل والتي تعد "قاعدة عسكرية” لكتائب حزب الله اللواء 47 في الحشد الشعبي، وماهي الا ساعات حتى تعرضت مواقع تابعة للجيش العراقي في البصرة وذي قار لهجمات بطائرات مسيرة، استهدفت رادارات للجيش تعتقد "فصائل المقاومة” انها تدار امريكيا وتقدم خدمات "الانذار المبكر للعدو” ضد الصواريخ والمسيرات الايرانية المتجهة نحو الاهداف الاسرائيلية.

كان ذلك ايذانا بالانخراط الكامل للفصائل العراقية في الحرب اسنادا لايران، واكتمل المشهد مع اعلان "المقاومة الاسلامية في العراق” عن تنفيذ 16 عملية في اليوم الأول للحرب باستخدام عشرات الطائرات المسيرة قالت انها استهدفت "قواعد العدو في العراق والمنطقة”.

خارج الدولة.. أمنيا وسياسيا
ابتداء من قصف مواقع الجيش العراقي وليس انتهاء بقصف مواقع البيشمركة ومقر جهاز المخابرات العراقي في بغداد والذي أدى الى مقتل ضابط في الجهاز، لم تتحرك الفصائل العراقية "خارج الدولة” امنيا فحسب، بل انخرطت في خطاب اعادة تشكيل ما يجب ان تكون عليه العملية السياسية، عندما قال المسؤول الأمني لكتائب حزب الله ابو مجاهد العساف والذي تم تعيينه بدلا من ابو علي العسكري بعد اعلان اغتياله، إن "أي حكومة عراقية جديدة لن ترى النور إلا ببصمة المقاومة”.

لم يقتصر سلوك الفصائل على مخالفة الموقف الحكومي "المحايد” والموقف السياسي للاطار التنسيقي الذي كان متذبذبا بين تأكيد ابعاد العراق ومؤسساته عن الحرب وبين ادانة "العدوان الامريكي الاسرائيلي”، بل ذهبت الفصائل لفرض رؤيتها السياسية والأمنية على الممثل السياسي الشيعي الحاكم وعلى الدولة بالمجمل، دون النظر في التداعيات المحتملة وسقف الردود الأمريكية المتوقعة.

فبعد استهداف مقر المخابرات، وقبلها منشآت أمنية وحتى نفطية عراقية، وما تبعها من ردود وبيانات استنكار من الفواعل السياسية، جاء موقف الفصائل ومن خلال المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، ليقول بوضوح انهم "من يحددون مسار وموقف الدولة وهم من سيختارون الحكومة الجديدة، وانهم من يقررون ووفق شروطهم الاستمرار في العمليات العسكرية من عدمه، وان قرار الحرب والسلم بأيديهم”.
واتهمت الكتائب، الضباط الكرد والسنة داخل الجهاز بالعمل لصالح دول أجنبية بما فيه "العدو الأمريكي” وجهاز "الموساد” الاسرائيلي، موضحة أن "الكثير من اعتداءات العدو الأمريكي ضد الحشد الشعبي لم تكن لتتم لولا متابعة هؤلاء الخونة”.

ووجهت الكتائب "رسالة” الى من وصفتهم ببعض زعماء الكتل السياسية "الذين يستنكرون هجمات المقاومة على المجرمين الأميركان المنتهكين لسيادة العراق”: نقول لهم إن الشعب يعرفكم جيداً، ويعرف عمالتكم، وارتباطكم، ومصادر تمويلكم، فلا تزايدوا على أحرار الوطن وأهله”.

الكتائب أكدت على شروطها المسبقة "قبل كف الأيدي عن القوات الأجنبية” والتي تصدرها "عدم إبقاء أي جندي أجنبي في العراق وعدم السماح لهم بامتلاك أسلحة فتاكة أو دفاعات جوية”.

تلك المواقف وما تبعها من هجمات امريكية، جاءت بعد تفاهمات جرت في نهاية الاسبوع الماضي افضت الى قرار من الفصائل بتعليق استهداف السفارة الأمريكية في بغداد، مقابل شروط معلنة شملت "كف يد الكيان الصهيوني عن تهجير وقصف الضاحية الجنوبية في بيروت، وعدم استهداف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات، وسحب عناصر وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) من مواقعهم داخل السفارة”.

وهذه الشروط عمليا لم تكن قابلة للتطبيق، ومعها اشتد استهداف مقرات الفصائل والعديد من مواقع الحشد الشعبي بما فيه غير المنتمية لكتائب حزب الله، كما تواصلت الهجمات الاسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت بل اعلنت اسرائيل عن تحركات للسيطرة على كامل المناطق الممتدة حتى جنوب نهر الليطاني في لبنان.

اصوات القاصفات أعلى من الهدنة
مع قرار فصائل المقاومة الانخراط في الحرب وتوسيع دائرة استهدافاتها التي شملت في الاسبوع الماضي مواقع أمنية وادارية ودبلوماسية، ارتفعت وتيرة الهجمات الأمريكية على مواقع الحشد الشعبي (وهي المظلة التي تعمل تحتها الفصائل) في محافظات بابل والانبار ونينوى، موقعة عشرات القتلى والجرحى، في موقف لا يتناسب مع ما اعلنته كتائب حزب الله وكذلك "سرايا اوليا الدم” من فترة تهدئة تقضي بعدم استهداف السفارة الامريكية وقاعدة فيكتوري.

وفصائل المقاومة المسلحة هي جزء من تشكيلات الحشد الشعبي الشيعي، ولبعض اطرافها تمثيل برلماني محدود، لكنها تظل قوى سياسية صغيرة، وهي تقوم منذ سنوات باستهداف المصالح الأمريكية في العراق وتعدها قوة احتلال، على الرغم من وجودها في العراق وفق مذكرات واتفاقات امنية قانونية.

وتتهم تلك الفصائل من قبل القوى الكردية بشن هجمات على المنشآت المدنية والأمنية والاقتصادية بما فيه حقول النفط في اقليم كردستان، والتسبب في تعطل انتاج النفط والغاز وانقطاع الكهرباء، كما وجهت اليها (وتحديدا كتائب حزب الله) أصابع الاتهام في 21 آذار مارس بالهجوم على مقر المخابرات العراقية، رغم نفي "الكتائب” لذلك وطلبها المشاركة في التحقيق بالهجوم.

بعض هجمات الفصائل، تصفها حكومة كردستان وجزء من القوى السنية بانها "ارهاب” يمارس ضد العراق خدمة لأجندات خارجية، ويقول مسؤولون في اقليم كردستان ان هجمات الفصائل المستمرة منذ سنوات على مدن الاقليم، والتي تمر دون مساءلة وعقاب، تعكس غيابا للسيادة الوطنية وانتهاكا خطيرا للحقوق والدستور، مشيرة الى ان الهجمات تتم من خلال تشكيلات تحمل اسم الحشد وتستخدم سلاحه وتستفيد من أموال الدولة.

واستهدف مقر جهاز المخابرات العراقي، في منطقة المنصور ببغداد، بطائرة مسيرة، وذكر الجهاز في بيان، ان محيط موقع الجهاز تعرّض إلى "استهداف إرهابي نفذته جهات خارجة عن القانون وتسبب باستشهاد ضابط، في محاولة يائسة تهدف إلى ثني الجهاز عن إداء دوره المهني”.

وأضاف ان الجهاز سيواصل اداء واجباته الوطنية وان "الممارسات الإرهابية لا تزيده إلا صلابة وإصراراً على ملاحقة مرتكبيها والمسؤولين عنها، حتى إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للقضاء”.

السوداني.. من التصريحات الى رمي الكرة
انتهجت الحكومة العراقية مسارا واحدا يقوم على اساس "ادانة” الهجمات التي تطال المواقع الامنية الحكومية من قبل الفصائل، وتشكيل لجان تحقيقية لا تفضي الى مساءلة حقيقية، على الرغم من استخدام عبارات "الارهاب” لوصف هذه العمليات بدلا من اعتبارها افعال "خارجة عن القانون” كما هو المعتاد.

ووصف السوداني استهداف جهاز المخابرات بانه "جريمة غادرة نفذتها مجموعة جبانة استباحت الدم العراقي وتجاوزت على مؤسسات الدولة ومصالحها العليا”، داعيا القوى السياسية الى "اتخاذ موقف واضح وصريح إزاء الاعتداءات التي تستهدف الدولة ومؤسساتها، وتغامر بمستقبل البلد”.

وخلال زيارته لمقر المخابرات المستهدف، شدد السوداني على كشف الجهة المسؤولة عن الهجوم "وعدم التردد في فضحها وتقديمها للعدالة”، وقال ان الحكومة "لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد”، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم "هو للدولة وحدها”.
وقال رئيس الوزراء، إن "من يتجرّأ على الدم العراقي لا يمثل العراق”، وان هذه الجريمة لا تبررها أية عقيدة "ولو كانت هناك عقيدة وراء الجريمة، فهي بلا شك مشوهة وهدّامة”، مكررا أن "هناك من أعطى لنفسه الحق بتحديد قرار الحرب والسلم، لكننا نؤكد أن هذا القرار هو للدولة وحدها”.

ردا على تلك التصريحات، اصدرت كتائب حزب الله بيانا ذكرت فيه ان "قرار الحرب والسلم بيد المقاومة”، في اعلان رسمي على سلب الدولة خصائصها وحصرية القرار الأمني.

لكن مع تصاعد العمليات المتضادة وصولا الى استهداف مقر المخابرات والتحريض على ضباطه، فضلا عن عملية القصف العنيفة التي طالت قيادة الحشد الشعبي في الانبار والتي ادت لمقتل 15 شخصا على رأسهم سعد دواي قائد قوات الحشد في الانبار، خرجت الحكومة بموقف بدا استثنائيا لا يشبه المسار المعتاد المكتفي بالادانات.

ففي مساء الثلاثاء 24 اذار/مارس، خرج المجلس الوزاري للأمن الوطني، بقرارات عقب جلسة ترأسها السوداني، تضمنت "عدم السماح لأي جهة ضمن هيئة الحشد الشعبي بالتصرف خارج نطاق القانون، وملاحقة من يشارك في الاعتداءات على المؤسسات الامنية ومصالح المواطنين والبعثات الدبلوماسية، والكشف عن الجهات التي ينتمون إليها واتخاذ الاجراءات القانونية وتنفيذ أوامر القبض الصادرة من القضاء”.

وحمل المجلس "القيادات المسؤولية الكاملة عن أي تأخير أو تلكؤ، والتأكيد على أنه ليس هناك أحد بمنأى عن إنفاذ القانون”. وهي اشارة الى تفعيل مذكرات القاء قبض صادرة من القضاء بحق عناصر ينتمون الى الفصائل، متورطون في الهجمات الأخيرة. في ظل معلومات عن صدور أكثر من 20 مذكرة قبض وعن تهرب الجهات المسؤولة عن تنفيذها خشية حصول مواجهات داخلية.

كما تضمنت قرارات المجلس الوزاري الأمني "التصدي للاعتداءات العسكرية التي تنفذ من خلال الطيران الحربي والمسير التي تستهدف المقار والتشكيلات الامنية الرسمية لهيأة الحشد الشعبي، وباقي التشكيلات المسلحة بالوسائل الممكنة، وفق مبدأ حق الرد والدفاع عن النفس”.

ووصف مراقبون، القرار بانه فارغ المحتوى، مع عدم امتلاك العراق لأية وسائل للتصدي للطائرات المقاتلة والمسيرات والصواريخ نتيجة اهمال هذا الملف لأكثر من عقدين من الزمن، وحتى لو وجدت بعض وسائل التصدي فانها لن تكون قادرة على مواجهة الأسلحة الأكثر تطورا في العالم والتي تستخدمها القوات الامريكية والاسرائيلية في مهاجمة مواقع الفصائل.

كما وجه المجلس، وزارة الخارجية بتقديم شكوى الى مجلس الامن عن اي اعتداءات، واستدعاء القائم بالاعمال الامريكي والسفير الايراني وتسليمهما مذكرة احتجاج رسمية على الاعتداءات التي تطال مقرات الحشد الشعبي، وكذلك مقار حرس اقليم كردستان العراق (البيشمركة) في أربيل.

وبعد وقت قصير من صدور قرارات المجلس الوزاري للأمن الوطني، اعلن عن اعتقال اربعة من المتورطين في الهجمات، وتحديدا الهجوم الذي استهدف قاعدة امريكية في سوريا انطلاقا من ناحية ربيعة بمحافظة نينوى.

نحو 220 ضحية من عناصر الحشد
في وقت تواصل الفصائل المسلحة عملياتها، بمعزل عن قرار الدولة، مستهدفة مصالح أمريكية فضلا عن منشآت عراقية عسكرية وحتى مدنية، بدأت تتصاعد عمليات الاستهداف الامريكية لمقرات الحشد الشعبي من مختلف الالوية وحتى تلك التي لا يعرف عنها ارتباطات بـ”الفصائل الجهادية” المعروفة.

وتشير التقديرات الى وقوع اكثر من 220 قتيلا وجريحا حتى الان، وفي نهاية الاسبوع الماضي قال الامين العام لمنظمة بدر هادي العامري ان اكثر من 160 شخصا من عناصر الحشد الشعبي سقطوا جراء تلك الضربات بينهم 60 قتيلا و100 جريح.

وتشير منظمة "أكليد” الامريكية لمراقبة الصراعات في العالم، ان القوات الامريكية الاسرائيلية شنت حتى العشرين من آذار مارس الجاري، اكثر من 70 ضربة على مقرات الحشد الشعبي في العراق وادت الى مقتل اكثر من 80 شخصا، في المقابل شنت الفصائل اكثر من 130 عملية في ذات الفترة.

بينما تقول "فصائل المقاومة الاسلامية في العراق”، انها شنت خلال الـ 23 يوماً الأولى من الحرب، 549 هجوماً في العراق والمنطقة، وكان الحد الأقصى لهذه الهجمات في يوم 17 آذار، حيث بلغت 47 هجوماً.

الإطار الشيعي والاطار السني
بعد الهجوم الذي استهدف مقر المخابرات، أدان الإطار التنسيقي، الذي يضم القوى السياسية الشيعية الحاكمة، الاستهداف، واصفاً إياه بـ”العمل الإرهابي” الذي يستهدف هيبة الدولة ومؤسساتها الأمنية، مشيرة الى "خطورة الاعتداء على الأجهزة الأمنية التي تضطلع بمهمة حماية أمن العراق واستقراره”.
ودعا الإطار، الى عدم السماح لأي جهة "بالعبث بأمن البلاد أو استهداف مؤسسات الدولة في ظل هذا الظرف الصعب الذي تعيشه المنطقة”.

من جانبه، رد "المجلس السياسي السني”، وهي مظلة تجمع ابرز القوى السنية في العراق، على ما وصفه بتهديدات كتائب حزب الله، لضباط ومنتسبي جهاز المخابرات من السنة والكرد، قائلا ان هذه التهديدات هي "الإرهاب الأوضح للدولة ومؤسساتها”، وتأكيد على نهجٍ خطير يسعى إلى تقويض بنية الأجهزة الأمنية الرسمية.

وطالب المجلس، القائد العام والمحاكم المختصة باتخاذ الاجراءات القانونية بحق الجماعات المسلحة المنفلتة التي ينطبق عليها بنود قانون مكافحة الارهاب دون انتقائية او تمييز، وإجراءات فاعلة تجاه جماعات السلاح المنفلت، التي باتت تهديداً مباشراً للأمن، وخطراً على السلم الأهلي والنظام العام، لا سيما بعد قيام هذه المجاميع باستهداف مؤسسات أمنية و دبلوماسية و مقار رسمية في العاصمة بغداد والمحافظات الغربية والوسط و إقليم كردستان، حيث تتصاعد مظاهر الانفلات، وتحدي القانون وحق الدولة في احتكار القوة والقرار الأمني.

كما أدان زعيم تحالف السيادة، خميس الخنجر، الهجوم ووصفه بـ”العمل الإرهابي مكتمل الأركان”، محمّلاً "جماعات السلاح المنفلت” المسؤولية عن تقويض استقرار البلاد.

وقال الخنجر، إن هذا الاعتداء تقف وراءه "جماعات السلاح المنفلت التي طالما حذرنا منها”، مؤكداً أنها باتت تشكل "المصدر الرئيس للتهديد لوحدة واستقرار العراق”، وطالب القوى السياسية بامتلاك "الشجاعة الكافية” لاتخاذ موقف وطني حازم يقضي بحل هذه الجماعات وانهاء وجودها حفاظاً على هيبة الدولة وسيادة القانون.
وأشار الخنجر الى ان الهجوم يرتبط بـ”المشاريع المستمرة لإضعاف مؤسسات الدولة وتقويض دورها من قبل المليشيات”، مشدداً على ملاحقة جميع المتورطين وتقديمهم إلى العدالة "دون أي تهاون أو تسويف”.

السيادة المصادرة والدولة الغائبة
يرى مراقبون، ان بيان كتاب حزب الله، واصرار قوى "المقاومة الاسلامية في العراق” على القتال الى جانب ايران ومن داخل الساحة العراقية من خلال استهداف المصالح الامريكية، وبخلاف القرار الحكومي العراقي وحتى موقف قوى الاطار التسيقي الحاكمة للبلاد، يمثل اضعافا متعمدا للدولة، وانتهاكا لسيادة قرارها.

يقول الباحث الكردي علي أحمد، ان موقف الفصائل المسلحة واضح، وهو خدمة ايران وان جاء على حساب الاضرار بالعراق وادخاله في حرب مدمرة، وان ذلك الموقف جاء بالضد من قرار الغالبية الساحقة من القوى السياسية الممثلة قانونيا لمكوناته، بالتزام الحياد والنأي بالبلد عن الحرب.

ويضيف مستدركا: "لكن الفصائل دخلت الحرب منذ بدايتها، وبدأت باستهداف مطار اربيل والمواقع العسكرية والمصالح الاقتصادية بما فيه حقول النفط في كردستان، الى جانب استهداف المقرات الدبلوماسية. هي بذلك خالفت موقف الدولة الرسمي، وأكدت عدم اعترافها بقرارات الحكومة ولا حتى رؤية قوى الاطار التنسيقي”.

ويتابع:”من الواضح ان ولاءها لدولة أخرى، وكل ما يهمها في العراق هو ادامة وجودها وشبكات مصالحها الاقتصادية وطبعا رواتب منتسبيها ضمن الحشد الشعبي”، متسائلا لو ان طرفا كرديا او عربيا سنيا رسم هكذا علاقة مع طرف خارجي واصر على الولاء له "بماذا كان سيوصف؟ وكيف كان سيتم التعامل معه؟”.

تداعيات ما بعد الحرب وشبح العقوبات
يرى ناشط سياسي كردي، فضل عدم ذكر اسمه لتواجده في بغداد، ان الفصائل باتت تقول بوضوح انها من تمثل الدولة وان قرار الحرب بيدها، بل انها من ستشكل الحكومة وتتحكم بقرارتها، وهي تفعل كل ذلك دون اي شرعية انتخابية او قانونية.

ويقول:”نعم هناك حرب ظالمة ضد ايران، وهناك انتهاكات امريكية للسيادة العراقية بل وجرائم امريكية اسرائيلية ضد الحشد، كما ان هناك تعاطف انساني وعقائدي مع الايرانيين، لكن كل ذلك لا يبرر تحويل العراق الى ساحة حرب خلافا لمصالح البلاد وارادة قواه السياسية الشرعية ومكوناته، ومع عدم ادراك عواقب ذلك في ظل عدم امتلاك أي قدرات للمواجهة”.

ويتابع مستنكرا:”أمام كل ذلك تقف الحكومة عاجزة، بينما الفصائل تقرر وتزرع الفتن بين المكونات باتهامات باطلة، وتتحرك بجُرأة ضد مصالح الدولة حتى مع وجود موقف قضائي يسمح بمحاسبتها”، متسائلا :”الى اين ستقودنا هذه المواقف؟.. وبعد نهاية الحرب او حتى قبلها من سينجدنا من الانتقام العسكري الأمريكي ومن تداعيات العقوبات اذا فرضت على الاقتصاد المتهالك؟”.

الناشط يشير بذلك الى ما ذكره رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، من أن الاعتداء على البعثات الدبلوماسية يُعد "جريمة خطيرة” تمس أمن الدولة الخارجي، وقد تترتب عليها عقوبات تصل إلى الإعدام وفقاً للقانون. وأكد أن القانون العراقي والقانون الدولي لمكافحة الإرهاب، يعدان الاعتداء على البعثات الدبلوماسية من الأفعال الإرهابية.

وذكر زيدان أن البعثات الدبلوماسية تمثل من أهم ركائز العلاقات الدولية، وان خطورة الاعتداء عليها لا تقتصر على الأضرار المادية أو البشرية بل تمتد لتؤثر في العلاقات الدولية، مبينا أن القانون الدولي أقر مبدأ "حرمة البعثات الدبلوماسية” الذي يُلزم الدولة المستقبلة باتخاذ جميع الإجراءات لحمايتها من أي اعتداء، معتبراً أن الدولة المقصرة في الحماية تتعرض للمساءلة الدولية وقد تفرض عليها عقوبات سياسية واقتصادية أو تواجه عزلة دولية.

الموقف الشيعي المتصدع.. تبادل "الحدود” بين الاطار والفصائل
خلافا للقوى السياسية السنية والكردية، وكذلك الموقف الحكومي الأخير الذي يرى الاعتداءات على مقرات الحشد من الطيران الامريكي، وكذلك المقرات الامنية الاخرى من قبل الصواريخ الايرانية والفصائل بعين واحدة، يبقى الموقف السياسي الشيعي المتمثل بالاطار التنسيقي غامضا، وسط تساؤلات عما اذا كانت قوى الاطار مساهمة او موافقة على الهجمات التي تشنها الفصائل أم تعجز عن منعها؟

فعلى الرغم من ان الاطار التنسيقي أدان استهداف جهاز المخابرات، الا ان الاوساط السياسية تنتظر من الاطار فعل شيء ما تجاه ما يحدث بوصفه الحاضنة السياسية للفصائل. لكن ذلك صعب التحقق، بحسب باحثين في الشأن الأمني، يرون ان مواقف قوى الاطار متباينة ولا يمكن اخذها بسلة واحدة، فهناك من يرفض مواقفها، وهناك من يبدي تعاطفا معها.

يقول عضو في احد قوى الاطار التنسيقي، رفض الكشف عن اسمه وصفته لأسباب سياسية، إن "مواقف الاطار التنسيقي متباينة، فبعض القوى تختار الصمت وعدم تصعيد اللهجة ضد الفصائل للحفاظ على فرصة العودة، خصوصا مع الغضب الشعبي للجمهور المؤيد للفصائل بالضد من قادة الاطار”.

ويوضح، ان "هذه غالبية القوى تتوقع ان الحرب ستنتهي على ما بدأت عليه ولن يحصل تغير كبير في الداخل العراقي، لذلك تحرص على الحفاظ على صلة مع الفصائل”.

ويشير الى ان "العلاقة بين الفصائل وقوى الاطار لا تتمثل بصفتها علاقة بين "مرؤوس ومترأس” بل هي علاقة قائمة على اساس الشراكة وتوزيع الادوار والقرارات، فبينما يتكفل قادة الاطار بالقرارات السياسية، تحتكر الفصائل القرارات الامنية، ولا توجد كلمة نهائية لأحد على الاخر الا بمقدار بسيط”.

ويؤكد عضو الاطار، أن "بعض الشخصيات السياسية في الاطار لديها بالفعل فصائل شاركت بعمليات القصف تحت مسميات مجهولة غير الفصائل المتعارف عليها، وهي محاولة لتثبيت موقف مسبق وان كان سريا، فإذا انتصرت ايران ببقاء نظامها، وتصاعد معها وضع الفصائل، سيكون لديه موقف المشارك في الهجمات والحرب. واذا جرى الأمر عكس ذلك، فسيقدم موقفه السياسي المتوازن المعلن عنه. هو يريد حفظ رأس المال لكلا المشروعين”.

الموقف الامريكي.. طائرات اليوم ورسائل الأمس
طوال الأشهر الماضية، كانت اللغة والمواقف الامريكية واضحة تجاه الفصائل المسلحة في العراق، وفي اكثر من رسالة وتصريحات على لسان القائم باعمال السفارة الامريكية جوشوا هاريس والمبعوث السابق الى العراق مارك سافايا ووزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو، كان الموقف الامريكي يشدد على تفكيك الفصائل ونزع سلاحها.

وربما تلخص "رسالة النقاط السبع” ذلك الموقف، والتي تنص على: "نزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران. مواجهة الفساد بكل أنواعه من دون استثناء. إصلاح النظام القضائي وفكّ ارتباطه بالسياسة والفصائل. إنهاء التدخل الإيراني في العراق عبر إخراج جميع المستشارين والعناصر من المؤسسات والأراضي العراقية. تحديد دور الحشد الشعبي بشكل صارم ضمن المنظومة العسكرية الرسمية، ومنع وجود أي هياكل خارج وزارتي الداخلية والدفاع. تشكيل حكومة تضم مسؤولين خاضعين للدولة وخاضعين للمساءلة أمام الشعب العراقي فقط. بناء شراكات أمنية واقتصادية دائمة مع الولايات المتحدة”. وهي رسالة اكدت معظم القوى السياسية وصولها الى الاطار التنسيقي بشكل رسمي.

لكن مع اندلاع الحرب، باتت الرسائل مجمدة جميعها، واصبح الصوت الأعلى للطائرات والصواريخ وعمليات الاغتيال التي تنفذها الطائرات الامريكية والاسرائيلية لبعض القيادات في الفصائل داخل المدن، بشكل منفصل عن الضربات التي تطال مقرات الحشد الشعبي.

وابرز هذه العمليات هي حادثة قصف وحدة سكنية بمنطقة العرصات، التي اسفرت عن مقتل 3 قياديين في كتائب حزب الله، وابرزهم ابو علي العامري الذي قيل انه "الشخصية الحقيقية لابو علي العسكري” المسؤول الامني للكتائب. اما العملية الثانية فتمثلت بقصف منزل في منطقة الجادرية والتي لا تزال القوات الامنية والفصائل تتكتم على هوية المستهدفين فيها، مع تسريبات تشير الى انها طالت اجتماعا ضم قيادات بكتائب "سيد الشهداء” ومسؤولين في الحرس الثوري الايراني كانوا معنيين بادارة عمليات الفصائل في العراق.

ويرى باحثون في الشأن الأمني والسياسي، تم التواصل معهم، ان مستقبل الفصائل المسلحة في العراق وصل الى مرحلة الحسم، وان الولايات المتحدة الأمريكية بل وحتى الحكومة العراقية لن تقبل باستمرار الوضع الحالي القائم على معادلة "رفض الدولة وقرارها والاستفادة من امكاناتها وامتيازاتها”.
يقول الناشط كريم شاهين، ان "وضع الفصائل وصل الى نقطة اللاعودة، فمع توقف الحرب ستكون للادارة الامريكية خطة تعامل مختلفة تماما مع العراق كدولة بالكامل، ومع الفصائل بشكل خاص، خصوصا بوجود شركاء ودول جوار طالتها مسيرات وصواريخ الفصائل كما طالت السفارة الامريكية، ولن تقبل بالتعايش بعد الان مع فكرة وجودها”.

تقرير:فارس الأبجر
المصدر: نيريج


PM:10:14:25/03/2026


ئه‌م بابه‌ته 132 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌



اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك