المرصد العراقي لحقوق الإنسان: مايجري في البصرة هو اغتيال ممنهج لمدنية الدولة


Westga news

قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن محافظة البصرة، التي تُمثل الشريان الاقتصادي والحيوي للعراق ورئته التي يتنفس منها مالياً، تمر بمرحلة مفصلية وخطيرة من "التآكل الممنهج" للفضاء المدني.


واضاف المرصد في بيان، ان هذا التآكل ليس نتاج صدفة أو غياب عابر للقانون، بل هو عملية تقويض مدروسة تهدف إلى تجفيف منابع الحيوية الاجتماعية في المدينة. ويظهر من خلال ما حدث في الأشهر الماضية أن القمع في المدينة لم يعد يعتمد على السلوكيات الفردية، بل تطور إلى عمل شبه ممنهج.

-تعيش المحافظة الجنوبية صراعاً وجودياً بين جيل يطمح للعيش وفق معايير المواطنة، وجهات تريد العيش في منظومة الوصاية على الآخر. هذا الواقع أنتج ما نسميه في المرصد العراقي لحقوق الإنسان بـ "تعدد سلطات القمع"؛ حيث لم يعد المواطن يخشى الاعتقال القانوني فحسب، بل يخشى "الدگة العشائرية"، "النبذ المجتمعي"، و"الاغتيال المعنوي" عبر الجيوش الإلكترونية.

-نشطت في الأشهر الأخيرة جماعات متطرفة تسعى لفرض وصاية أخلاقية، تحاكي في سلوكها نموذج "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي كانت تفرض وصايتها على الأفراد في المملكة العربية السعودية. تستمد هذه الجماعات العراقية سطوتها من "فوهات البنادق" لا من نصوص القانون. يُمكن القول إن هذه الجماعات الموازية تضع الحريات المدنية في مواجهة مباشرة مع السلاح المنفلت، ويبدو أن ممارساتها لا تهدف إلى "الإصلاح الاجتماعي"، بل إحكام السيطرة على الفضاء العام وإخضاع المجتمع لإرادة أيديولوجية أحادية الجانب.
-شهد "كورنيش شط العرب" في ليلة رأس السنة (2026 – 2025) واقعة "تحرش جماعي" منظمة استهدفت فتاة، في مشهد يعكس غياب الحماية الأمنية الفعالة. لم تتحرك القوات الأمنية إلا في 3 كانون الثاني/يناير 2026 بعد ضغط شعبي في منصات التواصل الاجتماعي لتعتقل (17) متهماً. يرى المرصد أن هذه الحادثة كانت رسالة ترهيب لإفراغ الفضاءات العامة من ملامحها المدنية.

-قال محمد الياسري وهو ناشط من محافظة البصرة خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان: "تواجه الحريات العامة في البصرة عراقيل بنيوية، يرتبط جزء كبير منها بالمنظومة التقليدية والتقاليد العشائرية؛ حيث تمددت هذه الأعراف لتصبح سلطة قسرية تحد من خيارات الأفراد في تفاصيل حياتهم اليومية، بدءاً من المظهر العام وصولاً إلى السلوكيات الفردية".

-قال أيضاً: "أما في ما يخص حرية التعبير، فهي مشروطة بعدم المساس بالمصالح الكبرى للجهات النافذة؛ إذ يجد الفرد نفسه أمام احتمال ملاحقات قانونية أو ضغوط اجتماعية قاسية إذا تجاوز تلك الخطوط. تعزيز الحريات يتطلب دعماً مباشراً من منظمات حقوق الإنسان، وتفعيل دور الجامعات والنخب الثقافية لتغيير الوعي العام وتطوير فهم المجتمع لحقوق الفرد".

-وفي السادس من كانون الثاني/يناير 2026، تحركت لجان "فرض الفضيلة" غير الرسمية، مدعومة بعناصر مسلحة بزي مدني، لتهديد منظمي مهرجان فني وخيري مخصص لدعم أطفال السرطان كان من المفترض أن تُحييه المطربة أصيل هميم. تم تهديد المنظمين بـ "حرق القاعات" إذا استمرت الفقرات الموسيقية، مما أدى لإلغاء المهرجان.

-وقبل ذلك في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أغلقت قاعة حفل للفنان محمد عبد الجبار قبل ساعات من انطلاقه بسبب تهديدات من أجنحة مسلحة تابعة لجهات سياسية، رغم حصول المنظمين على الموافقات الرسمية، مما يثبت أن السلاح هو "الناهي الحقيقي" في البصرة.

-تضع هذه الجماعات الحريات المدنية في مواجهة مباشرة مع فوهات البنادق، حيث يُلاحظ أن نشاطها يتركز حصراً في ملاحقة الحفلات الفنية والفعاليات الثقافية والتدخل في المظهر العام، بينما تغيب تماماً عن المشهد عندما يتعلق الأمر بحقوق المواطنين الأساسية؛ فهي لم تُسجل أي وقفة احتجاجية ضد تلوث المياه الذي يفتك بالبصريين، ولا ضد التلوث البيئي الناتج عن الانبعاثات النفطية، مما يكشف أن هدفها الأساسي هو السيطرة على الفضاء العام لا الدفاع عن حقوق المجتمع.

-وفي تموز/يوليو 2025 شهد قضاء شط العرب قمعاً لاحتجاجات شعبية طالبت بإعلان البصرة "محافظة منكوبة" مائياً، حيث تم ملاحقة المنسقين وتهديدهم، في خرق صارخ للمادة 38 من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005.

-قال بارق فوزي وهو ناشط مدني من البصرة خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن "مؤشرات الحريات العامة في البصرة ما زالت ضعيفة، والسبب يعود لتمسك المجتمع بتقاليد قديمة تقاوم الانفتاح المدني. هذا الواقع جعل من عملية التعبير عن الرأي فعلاً محفوفاً بالمخاطر، حيث يسود الخوف من الحديث العلني حتى في القضايا الجوهرية".

-قالت ناشطة مدنية تخشى ذكر اسمها خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان:"تُحاصر الحريات في البصرة بين فكي الأعراف الاجتماعية والنفوذ السياسي المسلح. يجد المواطن صعوبة بالغة في اختيار نمط حياته بسبب التدخلات العائلية والعشائرية العميقة. أما حرية التعبير فهي نص نظري موجود على الورق فقط؛ ففي الواقع، يختار الفرد الصمت كآلية دفاعية لتجنب عواقب وخيمة قد تفرضها جهات عشائرية أو حزبية تستخدم سلطتها للتضييق على الآراء".

-قالت أيضاً: "نحتاج إلى جهد مشترك بين الحكومة والمنظمات لخلق بيئة آمنة وتشريع قوانين تحمي الأفراد من التعرض للتهديدات بسبب آرائهم، كذلك من المهم أن يتم تمكين الأفراد من خلال التعليم والتوعية بأهمية الحريات العامة وحقوق الإنسان، البصرة تستحق أن تكون أنموذجا في التغيير الإيجابي لكن هذا يحتاج إلى وقت وعمل جاد".

-يجد تمدد الجماعات المتطرفة بيئة خصبة في ظل نفوذ عشائري واسع بات يشكل تحدياً حقيقياً أمام سيادة القانون؛ فالحريات الشخصية في البصرة أصبحت مرتبطة بمدى قوة العشيرة التي ينتمي إليها الفرد، مما يجعل الناشطين والمستقلين الفئات الأكثر عرضة للتهديد والابتزاز. وأصبحت "سُلطة العرف" في حالات كثيرة أقوى من سُلطة الدولة، حيث يتم اللجوء إلى "الدگات العشائرية" أو التهديد بالنبذ الاجتماعي لتكميم الآراء التي لا تتفق مع أصحاب النفوذ.

-هذا الواقع جعل من حرية التعبير مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث يضطر الفرد لفرض رقابة ذاتية على نفسه تجنباً لصدام قد لا تحميه فيه مؤسسات الدولة الأمنية التي تظهر أحياناً عاجزة عن مواجهة السلاح السياسي أو النفوذ القبلي.

-قال الناشط السياسي ليث حسين خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن "الحريات في البصرة تواجه ضغوطا كبيرة بسبب العشائر والتقاليد القديمة. حرية التعبير موجودة لكن ليست بشكل كامل، لأن هناك بعض الخوف من ردود الفعل القوية خاصة إذا ما كان الانتقاد يوجه للجهات النافذة".
-قال رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان مصطفى سعدون إن "ما يحدث في البصرة هو اغتيال ممنهج لمدنية الدولة. يجب على الجميع أن يحترم حريات الجميع، لا يمكن لأحد أن يفرض سطوته على الآخر، خاصة في مدينة مثل البصرة، معروفة بتنوعها وحياتها المدنية".

-قال الناشط المدني عبد الرحمن باسم خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن "الحرية في البصرة تعتمد على الفئة الاجتماعية؛ الفرد الذي لديه دعم عشائري قوي يستطيع ممارسة حريته بشكل أفضل. النشطاء والإعلاميون هم أكثر فئة تتعرض للتهديد سواء بالاعتقال أو الضغط الاجتماعي. الحل برأيي هو بتطوير القوانين الخاصة بحرية التعبير وإعطاء صلاحيات أكبر للمنظمات الحقوقية، وتكثيف برامج التوعية لتقبل الاختلاف".

-قال الناشط مدرك الأسدي إن "التحديات يومية والناس لا تستطيع العيش دون حرية. التعبير عن الرأي مسموح بشكل عام لكن ضمن حدود معينة، إذا ما تجاوز الشخص الخطوط الحمراء يواجه ضغوطاً أو تهديدات".

-قالت الناشطة استبرق الشويلي خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان: "للأسف، الحريات في البصرة شبه معدومة، العشائر والقوانين المحلية تدفع الناس للتفكير ألف مرة قبل إبداء أي رأي. التعبير عن الرأي في البصرة يعتمد على شجاعة الشخص. هناك من يتكلم ويدفع الثمن، وهناك من يبقى صامتاً".

-قالت أيضاً: "يجب أن تكون هناك قوانين تحمي الذين يبدون آرائهم من أي مخاطر أو تهديدات".

-يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه الحريات في البصرة في ازدواجية تعامل الجماعات المتطرفة؛ فهذه الجهات التي تستنفر عناصرها لترهيب منظمي حفل فني أو ملاحقة تجمع شبابي، هي ذاتها التي تصمت أمام الأزمات الوجودية التي تفتك بالمدينة، حيث لم يُسجل لها أي موقف أو تظاهرة تندد بتلوث المياه الذي يمرض الآلاف، أو بالانبعاثات الغازية التي ترفع معدلات السرطان، مما يكشف بوضوح أن نشاطها جزء من رغبة منها في لعب دور "الشرطة الأخلاقية" على غرار نماذج إقليمية سابقة لفرض السيطرة السياسية عبر بوابة الفضيلة.

-ويحذر المرصد العراقي لحقوق الإنسان من أن استمرار ضغط الجماعات المتطرفة سيؤدي إلى "تصحّر مدني" كامل في البصرة. كما أن الدولة التي تعجز عن حماية فنها وشبابها وناشطيها هي دولة تقامر بشرعيتها. كسر طوق "الصمت الإجباري" هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول البصرة إلى إقطاعية مغلقة تسودها لغة الرصاص


PM:02:54:11/02/2026


ئه‌م بابه‌ته 36 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌



اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك