عندما يتحوّل كشف الفساد إلى جريمة: لماذا أصبحت الصحافة مهنة بالغة الخطورة في كردستان العراق؟
Westga news– عربية
تؤكّد الوقائع تزايد وتيرة القمع ضدّ العمل الصحافي وحرّية الرأي في إقليم كردستان، بما في ذلك مضايقة الصحافيين وترهيبهم وملاحقتهم قضائياً، ولا سيّما أولئك الذين غطّوا ملفّات الفساد وانتقدوا تعامل السلطات مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية..
مساء الثالث عشر من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2020، كانت الصحافية الكردية بريفان أيّوب، تقوم بنزهة مع أطفالها في متنزّه عامّ بمدينة أربيل في إقليم كردستان العراق، عندما حاصرتهم عناصر مدجّجة بالسلاح من قوّات الأمن (الأسايش).
ضج المكان بصراخ أطفالها لحظة تكبيلها ومحاولة اقتيادها بنحو منفرد، وفي اللحظات الأخيرة سُمح لها باصطحاب ابنتها الصغرى البالغة سنتين، وظلّت معها طوال فترة احتجازها الأولى، التي امتدّت لساعات، ثم فُصلت عنها.
تقول أيّوب إنها تعرّضت لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، بما في ذلك "تهديدي بالاغتصاب، وتعليقي بسقف الغرفة لساعات، وتمزيق ملابسي، ومنعي من رؤية أطفالي، كما منعوا أهلي وأقربائي من زيارتي”.
ومن ثم وضعوها في زنزانة انفرادية ضيّقة لنحو أسبوعين: "لدفعي إلى الانهيار وإجباري على الاستسلام”، ولم تُعرض قضيّتها على قاضي التحقيق إلا بعد مرور عام وخمسة أشهر على اعتقالها وحبسها، وفقاً لروايتها.
طوال تلك الفترة، لم تُبلّغها جهة التحقيق رسمياً بسبب الاعتقال أو التهم الموجّهة إليها، ولم تكن في الأساس بحاجة إلى من يخبرها بذلك، فقد كانت توجّه قبل اعتقالها انتقادات للسلطة الحاكمة تتعلّق بالفساد المستشري.
قبل اعتقالها، كانت تتلقى اتصالات من جهات تصفها بالمجهولة، تطالبها بترك عملها والامتناع عن مناقشة "المواضيع الحسّاسة”، تقول عن ذلك: "في كل مرّة كنت أتلقّى فيها تهديداً، كنتُ أزداد إصراراً”.
حُكم عليها لاحقاً، بالحبس الشديد لمدّة سنتين بتهمة "محاولة إسقاط الحكومة وزعزعة الأمن والاستقرار”، وقبل إتمام المدّة أُطلق سراحها في 6 آذار، مارس 2022، بإفراج قضائي مشروط، ينصّ على امتناعها عن ممارسة أيّ نشاط سياسي لمدّة خمس سنوات أو أيّ نشاط في مجال حقوق الإنسان "قد يُزعج السلطات”، حسبما تذكر.
بريفان أيّوب، التي تعمل في الصحافة منذ نحو 25 سنة، انتمت إلى مجموعة من الصحافيين والناشطين المنخرطين في تجمّع يُعرف بـ”معتقلي بادينان” في إقليم كردستان العراق، وهم من الذين تعرّضوا إلى سلسلة اعتقالات وخضعوا لمحاكمات في محافظة دهوك في إقليم كردستان منذ سنة 2020.
تقول بتحدٍ: "سأواصل ممارسة عملي الصحافي حتى آخر لحظة من حياتي، على الرغم من التهديدات بالتصفية الجسدية التي ما زلت أتلقّاها حتى اليوم، من جهات مجهولة”.
ثباتها على مواقفها، واستمرارها في عملها الصحافي والانتقادات التي توجّهها إلى من تسمّيهم "أصحاب المال والسلطة”؛ أيّ المسؤولين، بسبب "هدرهم المال العامّ وحرمان الناس من أبسط حقوقهم” كما تقول، أدّى إلى صدور أوامر اعتقال جديدة بحقّها، وقرار قضائي بمنعها من السفر.
وهذا ما دفعها الى مغادرة مدينة أربيل، وهي تعيش اليوم متخفيّة عن أعين السلطات، ترفع شارة النصر وتقول مبتسمة: "لن أستسلم، ولن أتراجع مهما كلّفني الأمر”.
اعتقالات، اعتداءات، أحكام بالسجن، تهديدات، وتضييق على العمل، هذا ما يتعرّض له الصحافيون في إقليم كردستان، على الرغم من وجود قوانين يفترض أنها تكفل حرّيتهم ومنع التضييق عليهم بمنحهم إمكانية الوصول إلى المعلومات.
صراع البقاء أمام استفحال الانتهاكات
في إقليم كردستان، الذي يتمتّع بالحكم الذاتي منذ 1991، ينصّ الإطار القانوني العامّ على ضرورة ضمان حرّية الرأي وحماية حقوق الإنسان، وشُرّعت فيه قوانين تنظم العمل الصحافي، ويفترض أن تضمن حرّية التعبير والنشر، لكنّها تواجه قيوداً في التطبيق.
ولطالما وُصف الإقليم، بأنه ملاذ آمن لأصحاب الرأي، ومكان ينعم بالأمن ويوفّر مساحة أكبر للحرّيات، بعيداً عن الفوضى والتحدّيات الأمنية والتقييدات الممنهجة التي تعمّ بعض أنحاء العراق، على حدّ قول عاملين في الصحافة.
ومع ذلك، تؤكّد الوقائع تزايد وتيرة القمع ضدّ العمل الصحافي وحرّية الرأي في الإقليم، بما في ذلك مضايقة الصحافيين وترهيبهم وملاحقتهم قضائياً، ولا سيّما أولئك الذين غطّوا ملفّات الفساد وانتقدوا تعامل السلطات مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
فبحسب نقابة الصحافيين في كردستان، سُجّلت في العام 2024 انتهاكات بحقّ 73 صحافياً في مختلف أنحاء الإقليم، إلى جانب المناطق الواقعة خارج إدارة الإقليم ضمن المادّة 140 من الدستور العراقي، مثل كركوك المتنازع عليها مع بغداد.
وشملت الانتهاكات "اعتداءات جسدية، ومنع الصحافيين من أداء عملهم، ومصادرة بعض المعدّات والأجهزة المستخدمة في العمل الصحافي من قِبل بعض الجهات الأمنية”.
وشهد الإقليم، وفقاً لنقابة الصحافيين، انخفاضاً في أعداد الانتهاكات في عام 2025، مقارنةً بالسنوات السابقة، إذ سُجّل فيها 23 حالة انتهاك، طالت 46 صحافياً ومؤسسة إعلامية واحدة، في حين سُجّلت في عام 2023 وحده 84 حالة انتهاك.
وشملت الانتهاكات المسجّلة في عام 2025 ثماني حالات احتجاز واعتقال، طالت 15 صحافياً، وحالتي عرقلة التغطية والتمييز طالت 18 صحافياً، وحالتي اعتداء وإهانة طالت ستّة صحافيين، وحالة واحدة من التهديدات ضدّ صحافي واحد، وحالتي إتلاف أو مصادرة معدّات طالت أربعة صحافيين، وحالة واحدة من الاعتداء الجسدي على صحافيين اثنين، وحالة واحدة من إغلاق مؤسّسة إعلامية، وخمس حالات أخرى متنوّعة.
غير أن إحصاءات "مركز مترو ” المعني بالدفاع عن حقوق الصحافيين – وهو من المنظّمات غير الحكومية في كردستان – تُخالف الأرقام التي ذكرتها نقابة صحافيي الإقليم عن أعداد الانتهاكات في 2025.
إذ يؤكّد تقرير صادر عن المركز: "بيئة الإفلات من المحاسبة تهدّد حرّية الصحافة، تسجيل 315 انتهاكاً مباشراً بحقّ الصحافيين ووسائل الإعلام في إقليم كردستان، إلى جانب توثيق 356 نشاطاً احتجاجياً واجه العديد منها عنفاً وتقييداً من قِبل القوّات الأمنية”، ووصف التقرير الأمر بالمؤشّر "المقلق على تراجع حرّية الصحافة والتعبير، وتنامي بيئة الإفلات من المحاسبة في الإقليم”.
كما يشير التقرير إلى أن الصحافيين يعملون في بيئة تخلو من معاقبات مرتكبي الانتهاكات بحقّهم "حيث تتعرّض وسائل الإعلام لانتهاكات تشمل إطلاق النار ومحاولات اغتيال، وتكسير كاميرات الصحافيين أمام أعينهم، والاعتداء على القنوات التلفزيونية وإغلاقها، ومصادرة المعدّات بالكامل”.
ويلفت التقرير إلى أن الاعتداءات الجسدية والعنف ضدّ الفرق الإعلامية أصبحت "ممارسات روتينية من قِبل القوّات الأمنية”، إلى جانب "الاعتقالات التعسّفية، وتحطيم أدوات العمل الصحافي، وفرض قيود على التغطية الميدانية، وممارسات التمييز وحجب المعلومات، وتفتيش الهواتف، وانتهاك الخصوصية الشخصية، ما يعكس أزمة حقيقية في سيادة القانون والحقّ في الوصول إلى المعلومات”.
غلق مكاتب ومنع عمل!
المؤسّسات الإعلامية في إقليم كردستان، بدورها لم تسلم من المضايقات والترهيب على حدّ وصف عاملين فيها، وخاصّة تلك التي تنتقد السلطات وتكشف ملفّات الفساد كنهج في عملها الصحافي، كما حدث مع قناة NRT الكردية المملوكة لرجل الأعمال الكردي رئيس "حراك الجيل الجديد” شاسوار عبدالواحد، التي تتّخذ من محافظة السليمانية مقرّاً لها.
فقد تعرّضت القناة للحرق ولهجمات عدّة، ومُنع موظّفوها من ممارسة التغطية الصحافية، وأُغلقت مكاتبها في محافظتي أربيل ودهوك مرّات عديدة، آخرها في شهر شباط/ فبراير 2026، وما زالت مغلقة حتى اليوم.
يعلّق مدير القناة جيا حسين فارس، على المخاطر التي تواجه الصحافة في كردستان بقوله: "الصحافة، سواء في الإقليم أو العراق عموماً، مهنة بالغة الخطورة على الصحافيين”، موضحاً أن اعتقال الصحافيين، ومصادرة معدّاتهم، وإغلاق المؤسّسات الإعلامية وتدميرها، واحتجاز العاملين في وسائل الإعلام دون أيّ تفسير، هي من "أسهل الممارسات التي تجري في العراق بما فيها كردستان”.
واستشهد بالاعتقال المتكرّر لصحافيي قناة NRT أثناء تغطيتهم للأحداث المختلفة، في السنوات الأخيرة وملاحقة عدد منهم قضائياً، بسبب "التأثيرات السياسية والحزبية على العمل الصحافي، وليس بسبب تجاوزات قانونية يتمّ التعامل معها وفق نظام مؤسّساتي”، على حدّ قوله.
انعكاس الفشل السياسي على الواقع الصحافي
يؤكّد مراقبون سياسيون وبرلمانيون وصحافيون أن التوتّرات السياسية والصراعات الداخلية بين الأحزاب الكردية بشأن المناصب في إقليم كردستان، التي عرقلت تشكيل الحكومة الكردية العاشرة، على الرغم من مرور نحو عام وثمانية أشهر على الانتخابات البرلمانية، فضلاً عن عدم استئناف البرلمان جلساته.
أدّى إلى تراجع العمل الصحافي وتقلّص مساحة حرّية الرأي، وبالتالي تشديد القيود على حرّية الصحافة، وممارسة حملات ترهيب وقمع في محاولة لإسكات أصوات المنتقدين، أبرز صورها تمثّلت في اعتقال نشطاء وصحافيين واصدار أحكام متفاوتة بحقّهم، ممّا العديد من الصحافيين إلى الفرار أو الاختباء أو التخلّي عن العمل الصحافي نهائياً، بحسب شهادات لصحافيين تحدّثوا إلى معدّ التقرير.
في ظلّ هذه الأجواء، دعت منظّمات وهيئات دولية، كمنظمة العفو الدولية، إلى وضع حدّ لانتهاكاتها حقوق حرّية التعبير وحرّية الصحافة في كردستان، بما في ذلك الاعتقال التعسّفي والضرب والمحاكمات الجائرة للصحافيين.
ومن بين المشاكل التي تواجه الصحافة في كردستان، هو انقسام الإقليم إلى منطقتي نفوذ. حيث يدير الحزب الديمقراطي الكردستاني محافظتي أربيل ودهوك، بينما يسيطر الاتّحاد الوطني الكردستاني على محافظتي السليمانية وحلبجة، ويمتلك كل طرف منهما قوّاته الأمنية والعسكرية الخاصّة به.
وبالعودة إلى مدير قناة NRT جيا حسين فارس، فإن هذا الانقسام "يعيق الالتزام بأخلاقيات المهنة الصحافية وتنفيذ القوانين الخاصّة بها”، ونتيجة لذلك "يتعرّض الصحافيون ووسائل الإعلام للانتهاك”، ويضرب مثالاً على الانقسام السياسي وتأثيره على العمل الصحافي بقوله: "عندما يقع اعتداء أو حادث عنف ضدّ الصحافيين في مناطق نفوذ الديمقراطي، لا تصدر نقابة الصحافيين الرئيسة في أربيل أيّ بيان إدانة، وكذلك الحال بالنسبة إلى المؤسّسات الأخرى، بينما تُصدر المؤسّسات المعنيّة بياناتها في مناطق نفوذ الاتّحاد الوطني في السليمانية”.
و”بالمثل، عندما يقع أيّ حادث عنف ضدّ الصحافيين في السليمانية، يلتزم فرع النقابة هناك الصمت، على عكس نقابة الصحافيين في أربيل التي تركّز على الحدث”، يضيف جيا حسين.
ويرى أن "الصحافي المستقلّ يخاطر بحياته في كردستان من أجل الحقيقة، وهذا ما يضعه في مواجهة الأحزاب والشخصيّات السياسية، التي أسّست وسائل إعلام تموّل بميزانيات ضخمة من أجل فرض روايتها للأحداث، وهي تحاول كسب الصحافيين أصحاب الأقلام المؤثّرة، لمنع تأثيرهم”.
بدوره يشير النائب الكردي السابق في البرلمان العراقي موفق حسين، إلى تأثير الانقسام السياسي على المشهد الإعلامي "أصبح العديد من وسائل الإعلام مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بأحزاب سياسية، ممّا أدّى إلى تباين الخطاب الإعلامي بين مناطق نفوذ الأحزاب، وأثّر ذلك على استقلالية بعض وسائل الإعلام وقدرتها على العمل بحرّية”.
ويُحذّر من المزيد من التراجع في حرّية التعبير في كردستان، مقارنةً بما هو متوقّع من نظام ديمقراطي، قائلاً: "إن الصحافيين أو المواطنين عندما يخشون انتقاد المسؤولين أو كشف وفضح الفساد، فإن كل النظام يتراجع”.
لكنّ رئيس تحرير صحيفة "التآخي” التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني جواد ملكشاهي، يرى أن الانقسام السياسي موجود في معظم الأنظمة الديمقراطية "حيث تتبنّى الأحزاب ووسائل الإعلام وجهات نظر متباينة”.
ومع ذلك، يعتقد أنه من غير الدقيق القول إن الصحافة في كردستان منقسمة تماماً "هناك مؤسّسات إعلامية تعمل في مختلف أنحاء الإقليم، لكنّ التحدّي الحقيقي يكمن في تعزيز المهنية وفصل العمل الصحافي عن الانتماءات السياسية”.
وهو يرى أن الإقليم "ما زال يتمتّع بهامش واسع من حرّية التعبير مقارنة بدول المنطقة، وهناك وسائل إعلام ومنصّات وشخصيّات تنتقد الحكومة والأحزاب السياسية بشكل يومي”.
تعطيل قانون 35 لسنة 2007
يوجد في إقليم كردستان قانون صحافي خاصّ ينظّم ممارسة العمل الصحافي في مختلف وسائل الإعلام، وهو القانون رقم (35) لسنة 2007، الذي يضمّ العديد من الموادّ والفقرات والبنود القانونية التي تحمي الصحافي وتضمن له كامل حقوقه أثناء عمله.
ومع ذلك، وبحسب ما أفاد به محامون، في الغالب، لا يُطبّق هذا القانون في الدعاوى المرفوعة من شخصيّات نافذة ضدّ الصحافيين، التي تنظرها محاكم كردستان. إذ يتمّ اللجوء لتنفيذ قوانين أخرى لمقاضاة الصحافيين، بما في ذلك قانون إساءة استخدام أجهزة الاتّصالات ومواقع التواصل، أو قوانين عراقية أخرى متعلّقة بالتشهير، بدلاً من اللجوء إلى القانون رقم (35) لسنة 2007.
محامٍ في السليمانية طلب عدم الإشارة إلى اسمه، قال إن ذلك يحدث بدفع من الأحزاب الحاكمة، وإن "الصحافيين ممّن يُثيرون قضايا تزعج الأحزاب” يتعرّضون لعقوبات وفق تلك القوانين، كما يواجهون خطر الاعتداءات والعنف، في ظلّ "عدم وجود هيئة تنظيمية مستقلّة للصحافة بعيداً عن النفوذ السياسي والحزبي تدافع عن الصحافيين باستقلالية”.
ويوافق النائب السابق موفق حسين، على أن المشكلة لا تكمن في القوانين نفسها فحسب، بل في تطبيقها أيضاً، ويوضح "كثيراً ما تُستخدَم أحكام عامّة أو جزائية لمعالجة قضايا النشر، بدل اعتماد القوانين الخاصّة بالإعلام، وهذا يثير مخاوف بشأن تقييد العمل الصحافي، لا سيّما في ما يتعلّق بكشف الفساد أو انتقاد أداء السلطات”.
ويؤكّد أهمّية استقلال القضاء لمنع التدخّل السياسي في عمل المؤسّسات الإعلامية، وتفعيل قانون الحقّ في الحصول على المعلومات، ووضع حدّ لملاحقة الصحافيين قضائياً بسبب آرائهم أو تقاريرهم الصحافية.
أمّا نقيب صحافيي كردستان آزاد حمه أمين، فينفي عدم تطبيق قانون رقم (35) في محاكم الإقليم، ويؤكّد أنه "ما زال يُطبّق وأن مئات الأحكام قد صدرت استناداً إليه”.
لكنّه يُقرّ بضرورة إجراء تعديلات في القانون المقرّ قبل 19 عاماً، ويربط ذلك بوجود "برلمان فاعل ومناخ سياسي ملائم للتحرّك بهذا الاتّجاه في المستقبل القريب”.
ويقترح إنشاء مجلس وطني للصحافة والإعلام في كردستان، على غرار المجالس في دول متقدّمة كالنرويج وفرنسا، يقوم على مبدأ التنظيم الذاتي للصحافيين.
اعتماد قوانين أخرى!
سكرتير فرع السليمانية لنقابة صحافيي كردستان كاروان أنور، يعزو لجوء القضاة إلى قوانين أخرى في القضايا المرفوعة ضدّ الصحافيين، مثل قانون إساءة استخدام الأجهزة الإلكترونية أو قانون العقوبات العراقي للعام 1969، بدلاً من القانون رقم (35) بخاصّة في القضايا المتعلّقة بوسائل التواصل الاجتماعي إلى "أن قانون الصحافة الكردي لا يتناول وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية”.
ويقول: "يلجأ بعض القضاة أحياناً إلى قانون العقوبات العراقي في الحالات التي يرون فيها أن قانون الصحافة غير كافٍ”، ويضيف: "كما أن بعض الصحافيين يطلبون محاكمتهم بموجب قانون العقوبات العراقي، لأن عقوباته المالية مخفّفة للغاية، على عكس قانون الصحافة الكردي”.
ويرى كاروان أنور أن "السليمانية تتمتّع بحرّية أكبر للعمل الصحافي مقارنةً بمحافظتي أربيل ودهوك”، خصوصاً بعد أن أعلنت رئاسة محكمة استئناف السليمانية بتاريخ 13 آذار/ مارس 2025، عن خطوة يصفها بالنوعية والتاريخية في مجال حماية الحرّيات الصحافية، عبر "تخصيص محكمة تحقيق السليمانية الأولى، للنظر حصرياً في الدعاوى المتعلّقة بالصحافيين، وفقاً لقانون العمل الصحافي في إقليم كردستان رقم 35 لسنة 2007”.
اغتيال صحافيين دون كشف الجناة
على مدى خمسة عشر سنة مضت، تعرّض العديد من الصحافيين في إقليم كردستان لاغتيالات بسبب كشفهم الفساد أو انتقادهم السلطات والشخصيّات السياسية والأحزاب، دون الكشف عن الجناة الحقيقيين وتقديمهم للعدالة.
العديد من المنظّمات والمراكز والهيئات المحلّية والدولية المعنيّة بالدفاع عن الصحافيين وحقوق الإنسان، حمّلت حكومة الإقليم المسؤولية، لتقاعسها عن معالجة هذه القضيّة.
ومن بين الصحافيين الضحايا سردشت عثمان، الذي خُطف في أربيل بالقرب من جامعة صلاح الدين في عام 2010، وعُثر على جثّته في مدينة الموصل المجاورة بعد 24 ساعة من خطفه وقد بدت عليها آثار تعذيب واضحة.
الصحافي سردشت عثمان
كما خطف مسلّحون مجهولون في محافظة دهوك، الصحافي الكردي وداد حسين (28 عاماً) كان يعمل لحساب وكالة "روج نيوز” الموالية لحزب العمّال الكردستاني pkk، وعُثر عليه مقتولاً بعد ساعات قليلة، وعلى جسده آثار تعذيب.
الصحافي وداد حسين
كما اغتيل الصحافي الكردي كاوه كرمياني (مواليد 1981) بثلاث رصاصات أطلقها عليه مجهولون أمام منزله في مدينة كلار، التابعة لمحافظة السليمانية في عام 2013، وكان قد تعرّض للعديد من التهديدات والتهم القانونية في ذلك الوقت، من قِبل مسؤولين سياسيين وآخرين في حكومة الإقليم، بسبب نشره مواضيع تتعلّق بالفساد، وفقاً لأقربائه.
الصحافي كاوه كرمياني
نقيب صحافيي كردستان آزاد حمه أمين، يقول إن هناك جانبين يؤثّران على مسار التحقيقات في قضايا قتل وخطف الصحافيين. الأول، هو أنه ليس كل الذين قُتلوا "كانوا بالضرورة صحافيين، صحيح أن قائمة الشهداء متاحة لدى النقابة، ولكن بالتدقيق في الدوافع والخلفيّات يتّضح أن بعضهم لم يكن صحافياً مهنياً بالمعنى الدقيق للكلمة”، والثاني يتعلّق بـ”استغلال قضايا الصحافيين الشهداء لتحقيق مكاسب حزبية وسياسية”، بحسب قوله.
المعارض السياسي لطيف الشيخ (يظهر في وسائل الإعلام منتقداً الأحزاب الكردية ويصفها بالفاسدة)، يرى أن حرّية الصحافة تمرّ بأخطر مراحلها في كردستان، ويقول: "المشكلة لم تعد تقتصر على التضييق على الصحافيين، الآن هناك بنية سياسية كاملة تهيمن عليها الأحزاب النافذة، تمّ فيها تحويل معظم المؤسّسات بما فيها بعض النقابات، إلى جهات تدور في فلك السلطة، بمعنى أن الصحافي فقد السند الذي يفترض أن يدافع عنه”.
ويؤكّد أن الصحافة الحرّة تحتاج إلى مؤسّسات مستقلّة وقضاء مستقلّ وبرلمان فاعل يمارس الرقابة، وعندما تضعف هذه كلها "تتحوّل حرّية التعبير إلى امتياز تمنحه السلطة إلى من تشاء وتسحبه ممّن تشاء”.
على الرغم من ذلك، يرى أن حرّية الصحافة في كردستان "لم تصل بعد إلى مرحلة الاحتضار الكامل”، لكنّها تواجه أزمة وجودية تهدّد دورها "فبدلاً من أن تكون سلطة رقابية على الأحزاب، نجد أن الأخيرة أصبحت هي من تمارس دور الوصي على جزء كبير من الصحافة الكردية”.
قوّات قتالية تلاحق صحافيين
من بين المخاطر التي تواجه الصحافيين، خاصّة ممن ينتقدون مسؤولين بارزين في الأحزاب الحاكمة، أو يحاولون كشف ملفّات فساد، تعرّضهم للاعتقال من قِبل جهات غير مصرّح لها قانوناً، أو قوّات عسكرية قتالية يُفترض أن تقتصر مهامها على مكافحة الإرهاب والمخدّرات، وليس من قِبل الشرطة المحلّية المعنيّة بذلك، حسبما يؤكّد صحافيون.
من بين المعتقلين على هذا النحو، الصحافي الاستقصائي الكردي بشدار بازياني، الذي اعتقلته عناصر قوّة عسكرية قتالية في عام 2025 في السليمانية، بعد أن أنشأ مؤسّسة إعلامية تُعنى بالصحافة الاستقصائية وكشف ملفّات فساد.
يقول إن "العشرات من أفراد تلك القوّة” اشتركوا في اعتقاله سنة 2025 أمام أفراد عائلته، "من دون أيّ مذكّرة قضائية أو إخطار مسبق”، وقد أُطلق سراحه بعد أيّام من خضوعه للتحقيق والاستجواب وتعرّضه "للإذلال”، بحسب تعبيره.
بازياني، أعرب عن استغرابه من اعتقال صحافيين بواسطة قوّات معنيّة بمكافحة الإرهاب والمخدّرات، واحتجازهم جنباً إلى جنب مع متّهمين بالإرهاب وتجارة المخدّرات، كما حدث معه "دون السماح لهم بالاستعانة بمحامٍ”.
ويعتقد أن الاعتقال بتلك الصورة يهدف إلى "إخضاع الصحافة لسلطتها، والتحذير من إنشاء مؤسّسات صحافية تعمل على كشف ملفّات إهدار الأموال العامّة”.
الصحافي المستقلّ صباح الأتروشي، يقول إنه اعتُقل أو تعرّض للتوقيف "عشرات المرّات”، بتهم مختلفة خلال ثلاثة عقود، وهو عمر اشتغاله في الصحافة، ويقدّم أمثلة: "في 2015 اعتُقلت بموجب المادّة 4 من قانون مكافحة الإرهاب، وفي سنة 2018 احتُجزت لأكثر من أسبوع في سجون الأمن بدهوك دون أيّ سند قانوني”، ويستدرك "لكن بالتأكيد السبب، هو عملي الصحافي الذي يتضمّن نقداً للسلطات”.
الصحافي صباح الأتروشي
الأتروشي، اعتُقل كذلك في نيسان/ أبريل 2026 ومكث في الحبس ما يزيد عن الشهرين، يقول عن ذلك: "المادّة القانونية التي تمّ اعتقالي بسببها، وهي إساءة استخدام وسائل الاتّصال، تسمح بالإفراج عني بكفالة، لكنّ السلطات منعت ذلك، واستمرّ احتجازي 66 يوماً، ولاحقاً تمّ تأجيل جلسة محاكمتي إلى 1 أيلول/ سبتمبر”.
وينتقد الأتروشي طريقة اعتقاله "كان من المفترض أن تقوم بها قوّات الشرطة المحلّية، وليس أجهزة الأمن التي وضعتني في سجن تابع لها”، ويتحدّث عن لحظة اعتقاله: "طلبت من الضابط المسؤول إبراز مذكّرة توقيف صادرة عن قاضٍ، لكنّه تجاهل كلامي”.
خلال الفترة الأولى لاحتجازه، تلقّى الأتروشي عرضاً بالإفراج عنه في غضون ساعات مقابل التخلّي عن العمل الصحافي والتوقّف عن انتقاد السلطات "هو العرض نفسه الذي قُدِّم لي على مدى عقود ثلاثة من عملي الصحافي، ولكنّني أرفضه باستمرار”، كما يقول.
تقرير: صلاح بابان
أُنجز التقرير بإشراف شبكة "نيريج” للتحقيقات الاستقصائية لصالح منحة "ميدان”
PM:06:51:04/07/2026
ئهم بابهته 224
جار خوێنراوهتهوه
اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك