السليمانية تحت نار خلافات الحزبين الحاكمين.. كيف ضربت الصراعات السياسية مشاريع البنى التحتية والخدمية؟


Westga news – عربي

على مدى سنوات حاولت السليمانية اخفاء النتائج الكارثية لتعطل "مشاريعها التحتية" على واقعها الخدمي المتراجع، اثر توقف دفع المستحقات المالية للشركات المنفذة. تؤكد مصادر برلمانية ان مشاريع مقرة بأكثر من 4 تريليونات دينار في المحافظة وتوابعها الادارية، تعطلت بنحو شبه كامل قبل ان تستكمل، بينها طرق وجسور استراتيجية وسدود ومشاريع إمداد شبكات ماء وبنى تحتية ترتبط بحياة نحو مليوني انسان، في ظل تراجع "خطير" في الواردات الرسمية للمعابر الحدودية، نتيجة الانقسامات الحزبية وتزايد "التجارة غير الشرعية"


قبل نحو ثلاث سنوات، فاز المقاول بيستون حمه رشيد، بمناقصة لأحد مشاريع صيانة الطرق الخارجية في محافظة السليمانية بكلفة ثلاثة مليار دينار عراقي. دون تأخير بدأ بعمليات الصيانة منفذا كل الفقرات وفق المواصفات المطلوبة وفي الوقت المحدد. انجز المشروع وفق ما هو مخطط، ووافقت اللجان الحكومية على تسليمه. كان كل شيء على ما يرام باستثناء مستحقاته، التي لم يتسلم منها سوى 50% على الرغم من مرور ستة أشهر على انجاز المشروع.

لا يزال المقاول الكردي، المنحدر من محافظة السليمانية، مديناً بنحو 500 مليون دينار عراقي كأجور للمهندسين والفنيين والعمال الذين عملوا معه، ويعجز عن تسديدها لهم، لعدم استلام مستحقاته من الجهات الحكومية في المحافظة، وهو ما كانت تقتضيه العقود.

يقول بنبرة حزن: "بدأت مسيرتي المهنية في مجال إنشاء الطرق والجسور من الصفر قبل نحو عقدين من الزمن، في كل مشروع كنت أشرف على فرق العمل ميدانيا، أقف لساعات تحت أشعة الشمس حرصا على الانجاز وفق المطلوب.. لكني اليوم أشعر بوجع عميق، فالديون تراكمت علينا بعد ما صرفناه على المشاريع الحكومية دون ان نحصل على مستحقاتنا”.

وبحسب مقاولين في قطاع البناء، بدأت مشكلة عدم دفع "كامل مستحقات” المشاريع مع الأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها اقليم كردستان في نهاية 2013 نتيجة الخلافات مع بغداد بشأن تصدير النفط من حقول اقليم كردستان بشكل منفرد الى تركيا، حيث قطعت بغداد حصة اقليم كردستان من الموازنة الاتحادية، وتعمقت المشكلة مع حرب داعش في 2014 التي استمرت لنحو ثلاث سنوات.

يقول بيستون، في تلك الفترة تفهمنا الأوضاع، وقلنا انها مؤقتة، لكن المشكلة استمرت، وأسابيع الانتظار تحولت الى أشهر وأحيانا سنوات، وتراكمت الأعذار التي قدمتها السلطات من "نقص الأموال إلى غياب الميزانيات”.

يضيف وهو يضرب كفيه ببعضهما: "ضاعت مستحقاتي، ومستحقات الكثير من المقاولين مثلي، بسبب الصراعات السياسية بين الأصفر والأخضر في كردستان”. في إشارة إلى الحزبين الحاكمين في كردستان، الديمقراطي الكردستاني الذي يتخذ من اللون الأصفر شعارا ويسيطر على أربيل ودهوك، والاتحاد الوطني الذي يتخذ من اللون الأخضر شعارا ويسيطر على السليمانية وحلبجة.

كما ألقت الخلافات السياسية بين الحزبين، المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات، بشأن توزيع السلطة واستحصال عائدات المعابر الحدودية، بتداعيات ثقيلة على اقتصاد الاقليم، مسببة في تعطل مئات المشاريع الحيوية بعضها بنحو كامل، كمشاريع الطرق بين المدن الكردية الرئيسية.

ويؤكد مستثمرون ان الغالبية الساحقة من مشاريع منطقة السليمانية وتوابعها الادارية والمقدرة بأكثر من 1000 مشروع، تهم نحو مليوني مواطن، باتت متوقفة عن العمل، رغم بلوغ بعضها نسب متقدمة من الانجاز، نتيجة تعطل دفع مستحقات الشركات المنفذة، وهو ما أدى الى اعلان بعضها الافلاس في فترات سابقة. فيما تتعطل المستحقات المالية واجبة الدفع للمشاريع في أربيل ودهوك لكن بنحو أقل.

مشاريع بـ 4 تريليونات والتوقف 100%
يؤيد رئيس تيار الموقف المعارض وعضو برلمان إقليم كردستان علي حمه صالح، تقييم المقاولين، للتداعيات السلبية للصراع السياسي بين الحزبين الحاكمين على مجمل الحياة في كردستان، بما فيها فرص العمل المتاحة والخدمات المقدمة، نتيحة توقف مئات المشاريع، مبينا أن خلافات الحزبين عطلت منذ نهاية 2024 تشكيل حكومة جديدة وكل ما يرتبط بذلك من تخصيص أموال للمشاريع في القطاعات المختلفة، مؤكدا التوقف التام للمشاريع العامة والخدمية في محافظة السليمانية بنسبة تقارب الـ100%.

ويصف حمه صالح، الوضع في السليمانية بأنه "كارثي” مقارنة بمناطق أربيل ودهوك، مخاطبا الحزبين الحاكمين والمسؤولين: "كفى تبادلاً للاتهامات. ما يحدث يضر السليمانية.. يدمر هذه المدينة الجميلة”.

ويرى أن الاعلام المسيطر عليه من قبل الحزبين يتغافل عن تناول هذه القضايا، وان مساعي الحزبين لشراء ولاء الإعلاميين والصحفيين والكتاب من خلال توظيفهم في وسائل الإعلام الضخمة التي يواصلون انشاءها وانفاق ملايين الدولارات عليها، لن تخفي الأوضاع المزرية وتحديدا في السليمانية.

وبحسب صالح، تمت الموافقة على مشاريع بقيمة 4 تريليونات و550 مليار دينار عراقي في محافظة السليمانية وإداراتها المستقلة والأقضية والنواحي التابعة لها، شملت طرقًا وسدودًا وجسورًا ومشاريع إمداد شبكات ماء، بالإضافة إلى مشاريع بنى تحتية تتعلق بحياة المواطنين، إلا أن جميع هذه المشاريع متوقفة تماما، بما في ذلك مشاريع وصلت نسبة إنجازها إلى 80%، لعدم توفر السيولة والأموال المخصصة لها.

ولا تنكر الجهات الحكومية في السليمانية، ظاهرة توقف المشاريع نتيجة العجز عن تمويلها، وتبرر ذلك بانخفاض الإيرادات الشهرية للمحافظة.

تلك الحقيقة يؤكدها حمه صالح، مبينا أن إيرادات المحافظة كانت تبلغ سابقا حوالي 160 مليار دينار عراقي شهريا، لكنها انخفضت إلى حوالي 39 مليار دينار عراقي في مارس/آذار 2026، بما في ذلك إيرادات الكهرباء ومصادر أخرى. ويرجع السبب الى ما يصفه بتفاقم ظاهرة التهريب عبر المعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية في المحافظة وأشهرها باشماخ وبرويزخان، والتي تمثل المصدر الأساسي في الواردات.

يقول صالح، ان الايرادات تذهب الى جهات غير حكومية، وتحديدا إلى جيوب الجهة المسيطرة على المعابر، وهي تصل الى ثلاثة أضعاف الإيرادات الرسمية، مبينا أنه بسبب انخفاض الإيرادات الرسمية حصل نقص واضح في الأدوية والمعدات الطبية في مستشفيات المحافظة.

السليمانية صورة لواقع عام
أزمة توقف مشاريع السليمانية، التي ستنعكس بمرور الوقت على زيادة العجز في تقديم الخدمات ونوعيتها بما فيها الصحية والتعليمية، هو مشهدٌ من صورة أوسع لواقع الإقليم الكردي الذي لم يستطع منذ العام 2014 من معالجة أزماته الاقتصادية والمالية، قبل ان تضاف اليها أزمات سياسية وإدارية نتيجة خلافات الحزبين على السلطة، وهو ما عمق واقع تقسيم الاقليم الى ادارتين شبه منفصلتين أمنيا وماليا.

وأنعكست الخلافات السياسية الداخلية سلبا على دور اقليم كردستان في العراق. يقول الكاتب والمراقب للمشهد الكردستاني حسين اسكندر، ان انقسام الاقليم الى ما يشبه الادارتين، أضعف الكيان الفيدرالي الكردي وأثر على الدور السياسي لكردستان في العراق والمنطقة فلم يعد الاقليم صانعا للحكومات كما كان قبل 2014 ولا مؤثرا بارزا في مسار اتخاذ القرارات، ولا حتى قادرا على اجبار حكومة بغداد على الالتزام بتعهداتها السياسية او تطبيق البنود الدستورية في القضايا الخلافية.

وحملت الانقسامات الكردية، تداعيات، يصفها متخصصون، بالـخطيرة على النشاط الاقتصادي. فالأسواق في كردستان شبه مشلولة، وفرص العمل تتضاءل بدل ان تزداد، ونسب البطالة بين الشباب ترتفع، والاقليم يشهد نزوحا غير مُعلن لشركات الاستثمار المحلية والأجنبية إلى مناطق أخرى في العراق، أو انكفاءً وتراجعا لحجم استثمارات تلك الشركات، وهو ما يؤشره الباحث الاقتصادي (ك، ح).

المشكلة الأكبر تتمثل وفقاً لمراقبين للمشهد الكردي، بتأخر صرف رواتب الموظفين الذين لم يتلقوا آخر راتبين للعام 2025، وأكثر من 30 راتبا خلال السنوات العشر الماضية، الى جانب المشاكل الخدمية في العديد من مناطق كردستان، وبشكل خاص مناطق كرميان وكويسنجق، حيث تعطل انجاز مشاريع كان مخططا لها قبل عشر سنوات. ويرجع مسؤولون حزبيون السبب الأول الى فشل استحصال ايرادات المعابر الحدودية في الإقليم من قبل الحكومة.

وتشكل الرواتب العامل الأكثر تأثيرا في تحريك اقتصاد الاقليم، في ظل وجود مليون و250 ألف شخص يتلقون رواتب حكومية، من أصل ستة ملايين مواطن في كردستان. فعدم تلقي الرواتب بشكل منتظم في مواعيدها يؤثر على حركة كل القطاعات، بما فيه قطاع العقارات وهو الأكبر في كردستان. فآلاف الموظفين اضطروا لإلغاء فكرة شراء عقارات أو باعوا مبكرا ما اشتروه بسبب عجزهم عن دفع أقساطها الشهرية.

يقول (م.ح) وهو ناشط مدني فضل عدم ايراد اسمه الصريح، في 10 ايار/ مايو أرسلت حكومة الاقليم 50 مليار دينار الى الحكومة الاتحادية عن نصف ايراداتها الداخلية، بدل 120 مليار التي اتفق سابقا على ارسالها شهريا، لضمان قيام بغداد بدفع رواتب موظفي كردستان لشهر نيسان/ أبريل. أي انها أرسلت أقل من نصف المبلغ وبتأخر يمتد لشهر كامل، مبررة ذلك بتراجع الايرادات الداخلية خاصة من المعابر والمنافذ الحدودية.

ويضيف:”بالنتيجة مع التأخر المستمر وعدم دفع كامل المبلغ المطلوب من حكومة الاقليم، سيحرم الموظفون في كردستان من راتب واحد او حتى اثنين في نهاية العام، وهو ما يتكرر منذ سنوات، فالموظفون يحصلون على عشر رواتب او اقل كل عام!”.

جمود وعدم اكتراث
وعلى الرغم من التداعيات الكبيرة لفشل حكومة الاقليم في استحصال الواردات، على انجاز المشاريع وحتى رواتب الموظفين، ومع ان الأسباب ترتبط في جوهرها بالخلافات والانقسامات والقرارات الحزبية، فان القادة السياسيين لم يتحركوا بشكل جدي لمعالجة تلك المعضلة المستفحلة. كما توقفوا عن التحرك لإنهاء حالة الانسداد السياسي في كردستان التي تعطل تشكيل الحكومة الكردية منذ قرابة العام والنصف عقب الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول 2024. فمنذ ذلك الوقت الاقليم بلا حكومة كاملة الصلاحيات، كما ان البرلمان معطل تماما منذ العام 2023 ولم يعقد النواب الفائزون في الانتخابات الكردية، الا جلسة برلمانية واحدة مُنحوا أنفسهم خلالها شرعية تلقي الرواتب، دون قيام غالبيتهم بأي عمل حقيقي.

ويرجع السبب وراء تعطل تشكيل الحكومة، الى تشبث الحزبين الكبيرين بمطالبهما من مناصب عليا وحقائب وزارية، ولا يملك اي منهما نسبة الأصوات (50+1) التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا دون الطرف الآخر، فيما التزمت غالبية القوى السياسية الصغيرة التي تملك مقاعد برلمانية، الحياد، وأعلنت عدم مشاركتها في أي حكومة مقبلة.

ونتيجة لتوقف جلسات البرلمان تعطلت كل مهامه، وحدث شلل في عمل العديد من المؤسسات الحكومية التي انتهت مدتها القانونية، وتنتظر العديد من "مسودات القوانين المهمة” في أدراج البرلمان دون تشريع، مع استمرار غياب خطط عمل معلنة، ولا ميزانية، ولا رقابة، ولا مساءلة.

جرح السليمانية أعمق من أربيل ودهوك
توقف انجاز المشاريع في السليمانية نتيجة نقص التمويل، شمل أربيل ودهوك لكن بنحو أقل، فالمحافظتان التي يسيطر عليهما الحزب الديمقراطي تشهدان حركة عمرانية أنشط على مستوى انشاء الطرق العامة والجسور. يرجع باحثون السبب الى مركزية القرار في اربيل وحصولها على ايرادات اكبر من معابرها مع تركيا وايران سواء عبر التجارة او بيع النفط.

الباحث في الشؤون السياسية الكردية لطيف الشيخ، يعدد أبرز أسباب تراجع النشاط الاقتصادي بما فيه انجاز المشاريع "الأزمات المالية المتكررة، وغياب الاستقرار السياسي” واستمرار الخلافات بين القوى النافذة داخل الإقليم، بالإضافة إلى طبيعة صنع القرار في كردستان، الذي يجعل اطلاق وتمويل المشاريع رهينة بالاتفاقات والقرارات الحزبية بدلاً من الاحتياجات الفعلية للمواطنين.

ويقول الشيخ، ان العامل الأكثر تاثيرا يتمثل في التجارة غير المشروعة في المعابر والمنافذ غير الرسمية التي باتت تستنزف الإيرادات العامة، ومعها تتعطل المشاريع الاستراتيجية الممولة حكوميا.

تؤدي ظاهرة "التجارة غير المشروعة” كما يقول الباحث، الى عدم دخول الأموال رسميا إلى خزينة الحكومة أو المحافظة، وذهابها إلى "شبكات المصالح”. وفي ظل الصراعات الحزبية والنفوذ داخل الحزب الواحد، أصبحت بعض المنافذ ساحةً للتأثير السياسي والاقتصادي، مما أثر سلبا على إيرادات السليمانية ونظامها المالي.

بغداد لا تمول مشاريع كردستان
بحسب بيانات وزارة المالية العراقية، بلغت حصة إقليم كردستان من الميزانية الاتحادية لعام 2025 نسبة 12.67%، أي ما يعادل 13 تريليونا و334 مليارا و587 مليون دينار عراقي.

لكن الاقليم لم يتلقَ حصته الكاملة من الميزانية الاتحادية للأشهر التسعة الأولى من عام 2025، والتي بلغت 9 تريليونات و274 مليارا و593 مليون دينار. فقد صُرف 70% من هذا المبلغ، بينما حُجب ما يقارب 4 تريليونات و59 مليارًا و994 مليون دينار.

وبلغت حصة إقليم كردستان من الميزانية الاتحادية العراقية خلال الفترة من 2014 إلى 2025 ما يزيد عن 158 تريليون و834 مليار دينار. حُوِّل إلى الإقليم أكثر من 40 تريليون و688 مليار دينار أي بنسبة (26%)، بينما حُجِبَ أكثر من 118 تريليون و146 مليار دينار أي بنسبة (74%).

ولم تُحوَّل أية أموال إلى كردستان خلال الأعوام 2016 و2017 و2022.

في حين حول مبلغ تريليون و200 مليار دينار فقط خلال العام 2021، بينما كان أعلى مبلغ مُحوَّل إلى الإقليم 10 تريليون و786 مليار دينار في العام 2024.

وترجع الحكومة الاتحادية عدم ارسال كامل مبالغ حصة الاقليم وفق ما كان يرد في الميزانيات السنوية، الى عدم التزامه بتسليم ايرادات صادراته النفطية، الى جانب عدم تسليم الواردات الداخلية غير النفطية، حيث كان الاقليم ينتهج سياسة الاستقلال الاقتصادي، قبل أن يتخلى عنها مجبرا في 2023 اثر منع بيع نفطه بشكل مستقل في الأسواق العالمية.

وذهبت جل تلك الأموال الواردة من الحكومة الاتحادية الى دفع رواتب موظفي الاقليم، التي كان يتأخر دفعها لأشهر، ولم تساهم في دعم إنجاز المشاريع التي ظلت تمول بشكل مباشر من خلال عائدات الاقليم الخاصة.

غياب الميزانيات الحكومية
يرى المتخصص في الاقتصاد، فرمان حسين أن السليمانية تمتلك مقومات اقتصادية واعدة، تشمل التجارة والسياحة والصناعة والمعابر والمنافذ الحدودية، ما يُمكّنها من تحقيق إيرادات جيدة، إلا أن إدارة المشاريع الكبرى بشكل مستقل عملية صعبة في غياب التنسيق المالي والإداري مع حكومة الإقليم، لا سيما فيما يتعلق بمشاريع الطاقة والبنية التحتية، مبينا أن موضوع الرواتب وحده يحتاج الى تنسيق كامل مع حكومة الاقليم فضلاً عن الحكومة الاتحادية.

ويؤكد أن غياب التنسيق والعمل التكاملي يؤدي إلى اتخاذ إجراءات عشوائية تكون نتائجه سلبية، منبها الى ان التجارة غير المشروعة تتسبب في ضياع الرسوم الجمركية والضرائب، وتؤدي الى خلق أجواء غير صحية وغير عادلة للتنافس الاقتصادي، فالتهريب يضرب التجار النظاميين. ويقول "بالنتيجة مع وجود التهريب، تتأثر بشكل كبير الايرادات العامة المستحصلة، ومعها تُضعف قدرة المحافظة على تمويل الخدمات العامة”.

في هكذا أجواء، يقول حسين، بالتأكيد ستتوقف وتتراجع معدلات إنجاز المشاريع العامة في السليمانية، خاصة مع غياب حكومة موحدة وميزانية مستقرة، بمعنى غياب التخطيط المالي السنوي، وهذا ينعكس مباشرةً على الخدمات والمشاريع "حيث تعاني مشاريع الطرق من التعطل في استكمالها، ويعاني القطاع الصحي من نقص في الأدوية، وتتوقف المشاريع الاستراتيجية بسبب نقص او تعثر التمويل المنتظم”.

وبشأن أسباب نخفاض إيرادات السليمانية بنسبة 75% من حوالي 160 مليار دينار إلى 39 مليار شهريا، يقول الباحث الاقتصادي، إن ذلك يرجع الى تحويل بعض الإيرادات إلى جهات غير رسمية (في إشارة منه إلى الجهات النافذة)، وتراجع التجارة عموماً، وسوء الإدارة، وزيادة التهريب، وربما الى تغييرات في آليات التحصيل ومراقبة المعابر الحدودية.

يضيف على ذلك "ظروف حرب الشرق الأوسط التي أدت إلى إغلاق مطار السليمانية لأكثر من 40 يوما، وإغلاق بعض المعابر الحدودية لفترات متقطعة، الى جانب تطبيق الحكومة العراقية لنظام "أسيكودا” بالتالي تشديد القيود على التجارة، فضلا عن انخفاض عائدات السياحة فأجواء الحرب أبعدت السياح عن زيارة الاقليم”.

وكانت الحكومة الاتحادية قد فرضت مطلع شهر كانون الثاني/يناير 2026 على اقليم كردستان تطبيق نظام (أسيكوداASYCUDA) في المنافذ الخاضعة لسيطرته، وأسفر ذلك عن حرمان تجار الإقليم من الوصول إلى عملة الدولار بالسعر الرسمي، ما عطل الجزء الأكبر من عملياتهم التجارية، وهو اجراء وصفته كردستان بانه "حصار اقتصادي لخنق كردستان وتعطيل التجارة عبر معابره”.

ونظام "الاسيكودا” هو نظام آلي لمعالجة بيانات الجمارك، طورته منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) منذ الثمانينات. ويُعد منصة إلكترونية متكاملة لإدارة العمليات الجمركية، بدءاً من تسجيل البيان الكمركي والحمولات وصولاً إلى احتساب الرسوم وإصدار إحصاءات التجارة الخارجية. واعتمد للمساعدة في ترسيخ الشفافية وتسهيل التعاملات عبر جعلها الكترونية. ويعتمد الأسيكودا على معايير دولية موحدة (مثل رموز النظام المنسق HS من منظمة الجمارك العالمية WCO ومعايير ISO ) مما يضمن اتساق الإجراءات مع الممارسات العالمية. وقد انتشر استخدامه في أكثر من مئة دولة حول العالم.

وفي العراق، اكتسب مشروع تطبيق الأسيكودا أهمية قانونية واقتصادية خاصة في السنوات الأخيرة. إذ اقترنت هذه الخطوة بجهود حكومية لإصلاح السياسة الجمركية وتنمية الإيرادات غير النفطية. وصدرت العديد من القرارات والتعليمات التنظيمية لدعم تنفيذ النظام وتكييفه مع التشريعات الوطنية الجمركية والضريبية. لكن حكومة الاقليم تطالب بمنحها مزيد من الوقت للتمكن من تطبيق النظام في معابره.

تأثير العلاقات الخارجية
يرى المحلل السياسي الكردي نجم محمد، ان معاناة السليمانية من تعثر مشاريعها، بما فيها الاستراتيجية والخدمية العامة، هو نتيجة طبيعية للانقسامات السياسية في الاقليم التي انعكست على جغرافية المشاريع وفق مناطق النفوذ، فالجزء الذي يملك موارد اكبر ينجز مشاريع أكثر.

كما يشير الى ان المشاريع الكبرى تتطلب قرارا موحدا وتمويلا مستقرا، وكلاهما لم يتوفرا في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى توقف العديد من المشاريع الحيوية رغم أهميتها.

وينبه الى مشكلة المعابر الحدودية غير الرسمية، التي تمثل مجالا حيويا للتهريب، مبينا انها تحولت من أدوات اقتصادية إلى أدوات نفوذ سياسي، مما أدى إلى خلق اقتصاد أضر بالإيرادات الرسمية وحرم المحافظة من جزء كبير من مواردها.

علاوة على ذلك، يؤدي التنافس الحزبي أحيانا إلى استخدام التنمية المناطقية كأداة سياسية، وهذا يفسر النشاط الأكبر في أربيل ودهوك مقارنة بالتباطؤ الملحوظ في السليمانية. ويحذر "نجم” من أن ذلك "يهدد التوازن في كردستان” ويضر بوحدة الاقليم.

ويلفت المحلل الكردي، الى جانب آخر من مشكلة "عدم توازن انجاز المشاريع في مناطق كردستان المختلفة”، يتمثل في طبيعة علاقات الحزبين الحاكمين في كردستان، فالديمقراطي الكردستاني يقيم علاقات أوثق مع تركيا والدول الخليجية ذات الاقتصادات القوية والتي تستثمر شركاتها في أربيل، مقارنة بالاتحاد الوطني الذي تقتصر علاقاته إلى حد كبير على إيران، الدولة التي تعاني من أزمات اقتصادية حادة.

تقرير: شاهين علي
المصدر: نيريج


PM:07:45:10/05/2026


ئه‌م بابه‌ته 164 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌



اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك