"في اسواق كردستان .. أحلام الربح السريع عبر تجارة الذهب تبخرت في واقع السوق المتقلب"
Westga news – عربي
بين واجهات المتاجر المتلألئة بالذهب والفضة، تتجلى قصص آلاف البسطاء الذين تاهت طموحاتهم في ظل تقلبات أرقام الأرباح والخسائر، ليتحول المعدن النفيس في أيديهم من ملاذ آمن إلى عبء يوثق لحظة الوداع لآمالٍ لم تكتمل.
في قلب (سوق الصاغة) العتيق بمدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق، حيث يتقاطع بريق الذهب مع وجوهٍ أرهقها ترقب المنحنيات الاقتصادية المتأرجحة على خلفية تقلبات الأحداث العالمية، يقف دشتي أحمد (45 سنة) كشاهد عيان على انكسار الأحلام الصغيرة حين تصطدم بصلابة الواقع.
دشتي، الذي قضى العديد من سنوات عمره خلف مقود سيارة الأجرة يجمع الدينار فوق الآخر، يجد نفسه اليوم مثقلاً بملامح متجهمة وهو يقبض بيده على حقيبة جلدية صغيرة، بداخلها ثماني ليرات ذهبية من فئة "إصدار دبي".
ليست هذه الليرات مجرد مدخرات، بل هي بقايا رهان استثماري خاسر لم يبلغ وجهته المرجوة، وصورة حية للمواطن الذي حاول الاحتماء بالمعدن الأصفر من عواصف التضخم، فإذا به يواجه تقلبات سوق لا ترحم الحسابات البسيطة.
بين واجهات المتاجر المتلألئة وصمت دشتي الطويل، تتجلى قصة آلاف البسطاء الذين تاهت طموحاتهم في ضجيج الأرقام المتقلبة، ليتحول الذهب في أيديهم من ملاذ آمن إلى عبء يوثق لحظة الوداع لآمالٍ لم تكتمل.
تبدأ فصول الحكاية قبل عشرة أيام فقط من الإعلان المفاجئ عن الهدنة بين إيران والولايات المتحدة في الثامن من نيسان/ابريل 2026؛ ففي غمرة التوترات، اندفع دشتي، لشراء الليرة الواحدة بمبلغ (1003) دولارات، في وقت كان فيه سعر صرف الدينار العراقي يتجاوز حاجز الـ(154 ألفاً مقابل 100 دولار).
كان الرهان قائماً على فرضية أن توقف الحرب سيدفع بالذهب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، إلا أن سكون المدافع أعقبه تراجع ملحوظ في الأسعار، مدفوعاً بارتفاع أسعار النفط وتداعيات حصار مضيق هرمز، مما قلب موازين توقعات دشتي، رأساً على عقب.
وهو يجد نفسه الآن محاصراً أمام أبواب متاجر الذهب، بعروض شراء لا تتجاوز(980) دولاراً لليرة الواحدة، وهو ما وضعه في دوامة من القلق والندم.
وبينما يقلب كفيه بتوتر، يهمس بتساؤلات مثقلة بالحيرة، فإما البيع الفوري لتقليل الخسائر وتدارك ما يمكن إنقاذه، أو الاستمرار في ملاحقة "سراب ربحٍ لم يتحقق"، معترفاً بمرارة أن "الرياح السياسية جرت بما لا تشتهي سفن، استثماره الذي بني على توقعات خالفتها معطيات الواقع الجديد".
الليرة الذهبية تفقد سطوتها!
يتوزع سوق الذهب بين خيارات استثمارية وتاريخية تتفاوت في قيمتها وجدواها، حيث تتربع الليرة الرشادية العثمانية على عرش الأصالة بوزنها البالغ 7.22 جرامات وعيارها الـ22، جاذبةً المدخرين الباحثين عن دمج قيمة المعدن بعبق التاريخ.
وفي ذات السياق من الثقة الدولية، تبرز الليرة الإنجليزية (جورج والتنين) كعملة عالمية تضمن لمالكها سهولة التسييل في أي سوق عالمي بفضل دقة معاييرها الثابتة.
أما على صعيد الاستثمار المباشر، فتطرح (ليرة دبي) نفسها كبديل عملي يحاكي الأوزان العالمية بتكلفة مصنعية أقل، مما يوفر للمستثمر فرصة اقتناء الذهب دون تحمل أعباء القيمة المضافة.
وفي المقابل، تظهر المسكوكات المحلية (السليمانية) كخيار شعبي يخضع لرقابة النقابات المحلية ويلبي احتياجات الادخار الصغير، وعلى الرغم من توافقها الوزني مع نظيراتها، إلا أن نطاق تداولها يظل محصوراً في السوق بكردستان وباقي أنحاء العراق، حيث قد يلمس المدخر فارقاً سعرياً طفيفاً يقدر بنحو 15 دولاراً عند المقارنة مع إصدارات دبي، مما يجعل الاختيار بين هذه الأنواع رهناً ببوصلة المستثمر بين العائد المادي والقبول الجغرافي.
إسماعيل حمه رحيم، صائغ، يملك متجراً في سوق الذهب بمدينة السليمانية، يقول بأن:"الطلب على الليرات حتى أواخر شهر شباط 2026 كان يفوق العرض بشكل كبير". ويبرر ذلك:" كان الناس يترقبون وصول سعر الأونصة إلى مستويات قياسية تتجاوز 5000 دولاراً، مما جعلهم يضخون مدخراتهم في الذهب طمعاً في تحقيق أرباح سريعة".
إلا أن الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28شباط/فبراير2026، وانخراط الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران فيها، واستهدافها لمواقع في أقليم كردستان:"قلبت المشهد رأساً على عقب!"
ويوضح:"بدلاً من الاستمرار في الشراء، سيطر البيع الذعري على الأسواق ، واضطر مئات المواطنين إلى بيع ليراتهم بنحو عاجل خوفاً من تدهور مفاجئ في الأسعار أو حدوث ركود اقتصادي طويل الأمد قد يجبرهم على البيع بأسعار أدنى في حال توسعت رقعة الحرب".
محمد جلال(52 سنة)موظف حكومي من السليمانية، يروي كيف أنه قرر مدفوعاً بنصيحة من زميل له في الدائرة ببيع مدخراته التي قوامها(10)ليرات ذهبية كان قد اشتراها في وقت سابق بـ (عشرة آلاف وثمانين دولاراً).
سيطر عليه التوتر وقتها، وبمجرد انتهاء الدوام، هرع الى منزله، ليلملم ما عنده من ذهب وينطلق به إلى السوق. هناك، واجه جلال، صدمة سماها"السوق المكتفي"، حيث أوصد الصاغة أبواب الشراء في وجهه بدعوى عدم الاستقرار، لتتحول رحلته من البحث عن الربح إلى محاولة مستميتة للنجاة من خسارة أكبر.
وفي احد متاجر السوق، وجد ضالته لدى صائغ وافق على الشراء، ولكن بشروط السوق التي يعتقد محمد جلال بانها كانت قاسية عليه؛ حيث بيعت الليرة الواحدة بمبلغ(980) دولاراً وعلى الرغم من المرارة التي خلفها الفارق المادي، لكنه يعبر عن رضاه، مشيراً إلى أن الراحة النفسية التي غمرته بعد البيع كانت تفوق ألم الخسارة، خشية أن يستيقظ على انهيار أكبر يلتهم ما تبقى من شقاء عمره.
ويقر:"الاندفاع دون استشارة الخبراء كانت الثغرة التي تسلل منها الإخفاق، ليتحول استثماري الذي ظننته درعاً واقياً إلى درس قسري في فنون إدارة الأزمات وتقلبات الأسواق التي لا تعترف إلا بلغة الأرقام والتحليل الفني".
تغيرات دراماتيكية
الصيرفي شيرزاد يوسف، صاحب محال صرافة في سوق الدولار المعروف في السليمانية، يقول بأن "تغييرات دراماتيكية طرأت على السوق مؤخراً". ويصف منتصف شهر شباط/فبراير2026، بفترة"الذروة" فيما يتعلق بثقة المواطنين بالذهب.
ويروي كيف أن سعر صرف الدولار استقر حينها عند (144)ألف دينار، بينما شهدت "الليرة الذهبية" إقبالاً استثنائياً بسعر تراوح بين (1095 و1100) دولاراً، وسط تفاؤل ساد الأوساط الاقتصادية بإمكانية كسر حاجز الـ( 1400) دولار.
ويستدرك:"إلا أن هذه الصورة الوردية تبددت، مع الأزمات الجيوسياسية؛ فبمجرد تجاوز أسعار النفط عتبة الـ100دولار للبرميل، وتهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز، حدث تحول مفاجئ في سلوك الذهب".
ويفسر شيرزاد هذا الانخفاض الذي يصفه بالمتناقض للذهب على الرغم من ارتفاع تكاليف الطاقة، بـ:"ردة فعل البنوك المركزية الكبرى التي سارعت لرفع أسعار الفائدة بشكل حاد للسيطرة على التضخم المتصاعد".
ويمضي في تحليله موضحاً، أن هذا التحرك النقدي جعل من الدولار والسندات "ملاذين أكثر إغراءً للمستثمرين مقارنة بالذهب الذي يفتقر للعوائد الدورية؛ الأمر الذي دفع كبار الفاعلين في السوق الدولية للتخلص من حيازاتهم الذهبية لتوفير السيولة أو التوجه نحو العملة الصعبة".
هذا الضغط البيعي العالمي، كما يراه الصيرفي شيرزاد، انعكس بنحو مباشر على أزقة سوق السليمانية، حيث سجلت "الليرة الذهبية الإماراتية" تراجعاً واضحاً، مما أثار حالة من التوجس لدى صغار المستثمرين الذين وجدوا أنفسهم أمام معادلة اقتصادية معقدة حولت مدخراتهم من أداة للتحوط إلى مصدر للترقب.
وعن الواقع السعري الحالي في قلب السوق، يشير الصيرفي إلى أن البيانات تظهر محافظة الليرة الذهبية (إصدار دبي، عيار 22، وزن 7.22 جرامات) على هوامش مستقرة؛ إذ تتراوح مستويات شراء الصاغة من المواطنين بين ( 975 و978) دولاراً، في حين تستقر أسعار البيع ضمن نطاق ( 982 إلى 985) دولارات. ويختتم حديثه بالتأكيد على أن هذه الأرقام "تعكس في جوهرها حركية السوق المحلية وقدرتها على إيجاد نوع من التوازن بين العرض والطلب رغم التقلبات العالمية".
الارتباط بين الذهب والدولار
من موقعه في قلب سوق الدولار القديم بالسليمانية، وبخبرة تمتد لثلاثة عقود، يرى الصيرفي ساجد محمد، أن ما يصفه بـ"جنون الذهب" الذي تشهده المدينة:"ليس مجرد ارتفاع عابر بل هو نتاج ارتباط شرطي وثيق بتذبذب أسعار الصرف في السوق الموازية".
ويوضح بأن القلق من التداعيات العسكرية في المنطقة خلق ضغطاً مزدوجاً؛ إذ تسببت المخاوف من اتساع رقعة الصراع برفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، أدى ذلك إلى قفزة غير مسبوقة في أسعار ليرة الذهب محليا.
نتيجة اعتماد آلية التسعير على سعر صرف الدولار في السوق الموازي المتأرجح بين(154 و155 ألفا)، بدلاً من السعر الرسمي المحدد بـ(1320) ديناراً. وفي هذا السياق، شهدت ليرة الذهب تذبذباً يتراوح ما بين 320,000 إلى 350,000 دينار عراقي.
ويحذر الصيرفي ساجد، مما يصفه بـ "لعبة المقاصة" التي تلتهم مدخرات المواطنين، مشيراً من واقع تعاملاته اليومية إلى أن الكثير من الذين اندفعوا لبيع مقتنياتهم بدافع الخوف "سقطوا في فخ الخسارة المركبة التي تشمل فرق السعر العالمي للأونصة وفارق العملة".
ويبين:"إذ يضطر الصاغة إلى شراء الذهب بالدينار وفق سعر صرف منخفض لتأمين مراكزهم المالية، بينما يجد المواطن نفسه لاحقاً مضطراً لشراء احتياجاته الأساسية بأسعار مرتفعة نتيجة غلاء الدولار". وبناءً على رؤيته الخبيرة في حركة الأموال، ينصح ساجد، بالابتعاد عن "المضاربة اللحظية"، ويؤكد أن اقتناء الذهب في أوقات الأزمات يجب أن "يظل بمثابة ادخار استراتيجي طويل الأمد، لأن القرارات المتسرعة تحت ضغط الأخبار السياسية تنتهي دائماً بتحويل شقى العمر إلى أرباح صافية تذهب لصالح كبار التجار والمضاربين في السوق على حد تعبيره".
تداول سياسي !
تواجه الأسواق المحلية في محافظة السليمانية موجة غير مسبوقة من "التذبذب السعري"، يصفها مختصون ومراقبون بأنها "تداول سياسي" أكثر من كونها حركة تجارية طبيعية. وفي ظل تصاعد معدلات التضخم العالمي، يجد المواطن نفسه عالقاً في حلقة مفرغة من تقلبات البورصة الدولية من جهة، وخصوصية "دولار السليمانية" المرتبط بالتحويلات الإقليمية من جهة أخرى.
يرى ريبوار قادر، وهو صاحب متجر ذهب، وصائغ مخضرم في المدينة، أن ما تمر به الأسواق حالياً :"يخرج عن نطاق التجارة التقليدية". ويبين:"الصاغة يواجهون تحديات جسيمة في تحديد الأسعار اليومية نتيجة الازدواجية في التأثير؛ إذ تتحكم بورصة الذهب العالمية بالأسعار الأساسية، بينما يزيد تذبذب سعر صرف الدولار محلياً من تعقيد المشهد".
ويضيف "المواطن غالباً ما يكون الحلقة الأضعف والضحية الأبرز في هذه المعادلة، فهو يندفع للشراء عند ذروة الارتفاع مدفوعاً بالمخاوف، ويضطر للبيع عند الانخفاض، مما يكبده خسائر مالية فادحة".
وفي كشف لأسباب التباين في سعر صرف الدولار، يوضح ريبوار قادر، أن سعر الدولار في بورصة السليمانية يسجل دائماً ارتفاعاً يتراوح بين (100 إلى 250) ديناراً لكل فئة (100 دولار) مقارنة بالأسواق الأخرى.
ويعزو هذا الفارق السعري إلى دور السليمانية كمركز مالي واستراتيجي فريد؛ فهي المحرك الوحيد في العراق لعمليات تحويل "الريال الإيراني" (التومان). هذا التخصص جعل من بورصة المدينة مقصداً رئيسياً للتجار من وسط وجنوب العراق، وحتى من أربيل وزاخو، لتأمين حوالاتهم التجارية عبر الحدود، وهي صيغة مالية متجذرة ومستمرة منذ أكثر من عقدين من الزمان.
من جانبه، يشير الصائغ هيوا سردار، إلى تحول في السلوك الاستهلاكي للمواطنين، إذ بات الطلب على "الليرة" الذهبية يفوق المصوغات الأخرى نظراً لانخفاض أجور صياغتها، مما يجعلها وعاءً ادخارياً مفضلاً.
إلا أن هيوا، يحذر من ظاهرة "البيع المستعجل" التي تفرضها الظروف الاقتصادية، مبيناً أن السوق يضطر لخفض سعر الشراء من المواطنين لتغطية مخاطر التقلب السريع:"وهو ما يؤدي إلى خسارة مباشرة وفورية للمدخرين".
نجاح وفشل
في أروقة سوق الصاغة بمدينة السليمانية، حيث تتقاطع طموحات الربح مع مخاوف الخسارة، ترسم قصتا الموظف المتقاعد نوزاد جميل، والشابة الطموحة شيلان كويخا، ملامح التباين الحاد في سيكولوجية الاستثمار وقت الأزمات.
إذ يجسد نوزاد جميل، نموذج المستثمر الهادئ الذي لم تغلبه العاطفة؛ فقد بدأ رحلته مع الذهب تدريجياً منذ عام 2024، متبعاً مبدأ "عدم وضع البيض في سلة واحدة". اقتنص نوزاد (9) ليرات ذهبية حين كان السعر مستقراً عند( 745) دولاراً لليرة الواحدة، وعاد ليعزز محفظته بـ (9) ليرات أخريات في منتصف عام 2025 بسعر( 855) دولاراً.
راقب نوزاد، الأسعار بعين الخبير، ليتحرك في اللحظة المناسبة؛ فمع وصول الذهب إلى ذروته في منتصف شباط 2026، باع (10) ليرات بسعر (1100) دولاراً لليرة للواحدة، محققاً ربحاً صافياً ناهز( 2500) دولار. هذا الذكاء الاستثماري لم يوفر له شعوراً بالفوز فحسب، بل مكنه من تسديد دفعات عديدة من أقساط شقته التي يسكنها والتي تبلغ (300) دولار شهرياً، تاركاً (8) ليرات في حوزته "كأمان للمستقبل"، كونه يدرك أن متوسط سعر شرائها لا يتجاوز 800 دولار، مما يجعله في منطقة الأمان بعيداً عن تقلبات السوق.
على النقيض تماماً، تبرز قصة الشابة شيلان كويخا، التي تحاول ان تجد لنفسها موطئاً العمل الحر، كنموذج للخسارة الناتجة عن ملاحقة القمة؛ فقد دخلت السوق في وقت متأخر وتحديداً في 18 نيسان/أبريل 2026، مدفوعة بإشاعات متفائلة بأن سعر الليرة سيقفز متجاوزاً حاجز (المليون و750 ألف دينار) عراقي.
اشترت شيلان (5) ليرات ذهبية بسعر مرتفع بلغ ( 1000) دولار لليرة الواحدة، لكنها سرعان ما وقعت ضحية لـ "فوبيا الانهيار". ومع أول بادرة تراجع، سيطر الخوف على قراراتها، فباعت مقتنياتها على عجل
بسعر(975) دولاراً لليرة، لتخرج بخسارة مباشرة ناهزت(50) ألف دينار في كل ليرة، ناهيك عن الخسائر الجانبية الناتجة عن فروقات سعر الصرف بين الدينار والدولار.
أرقام وتوقعات
أسواق الذهب في محافظة السليمانية، كانت على موعد مع مشهدٍ استثنائيٍ كسر القواعد الاقتصادية التقليدية المتعارف عليها في أوقات الأزمات؛ حيث كشف رئيس نقابة الصاغة هناك، دلير طاهر، عن اختلال موازين السوق نتيجة التوترات العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران.
وبشأن طبيعة التعاملات اليومية وتأثيرها على المواطنين، أشار بمرارة إلى أن تدهور أسعار "الليرة الذهبية" ألحق أضراراً مادية جسيمة بالمستثمرين الصغار الذين دخلوا السوق للشراء بكميات محدودة.
ويوضح:"في الوقت الذي يعاني فيه الصغار، استغل كبار التجار هذا الهبوط لتنفيذ عمليات اقتناص واسعة؛ حيث تراوحت وتيرة الشراء الاستراتيجي ما بين( 300 إلى 500 )ليرة يومياً، بهدف الادخار طويل الأمد بانتظار قفزات سعرية مستقبلية يراها هؤلاء التجار حتمية بمجرد استقرار الأوضاع الملاحية".
وتؤكد تقارير نقابة الصاغة وجود تدفق كبير للذهب المستعمل والليرات من المواطنين نحو المحلات، مما أدى إلى تخمة في المعروض وتوقف بعض الصاغة مؤقتاً عن الشراء، كما تقلصت حركة استيراد الذهب الجديد من دبي وتركيا بنسبة 40% بسبب مخاطر الشحن وتذبذب أسعار التأمين.
وتؤكد البيانات الميدانية وجود تحول جذري في ثقافة الاقتناء، إذ هوت مبيعات الحلي والمصوغات بنسبة 70% مقابل إقبال محموم على الذهب الادخاري، ما أدى إلى تخمة في المعروض من الذهب المستعمل والليرات المعروضة للبيع من قبل المواطنين، وهو ما دفع بعض الصاغة للتوقف مؤقتاً عن الشراء.
وبالنظر إلى الأرقام المسجلة في منتصف نيسان/أبريل 2026، يظهر بوضوح الفارق بين السعر العالمي والمحلي؛ فبينما حلقت الأونصة عالمياً لمستويات قياسية تجاوزت ( 4,700) دولاراً نتيجة إغلاق المضيق، كانت الليرة في السليمانية تتداول بأسعار تراوح بين 1000 و1005 دولارات، مع اتساع الفارق السعري بين البيع والشراء ليصل إلى 15 دولاراً.
ويرى رئيس النقابة، أن "أي انفراجة في حركة الملاحة البحرية ستؤدي فوراً إلى تصحيح مسار الأسعار محلياً وتحقيق قفزات متسارعة، خاصة في الليرة" لكونها "وعاءً استثمارياً لا يخضع لتعقيدات أجور الصياغة".
وفي سياق التوقعات المستقبلية، يجمع كبار الفاعلين في المصارف العالمية على اتجاه صعودي حاد للمعدن الأصفر؛ فقد رفع مصرف "جي بي مورغان" توقعاته للأونصة لتصل إلى 6,300 دولار بحلول الربع الأخير من عام 2026.
بينما وضع "يو بي إس" سقفاً يتراوح بين 5,900 و6,200 دولار، مع إمكانية ملامسة مستوى 7,200 دولار في حال حدوث تصعيد عسكري شامل. وفي المقابل، جاءت تقديرات "غولدمان ساكس" و"مورغان ستانلي" أكثر تحفظاً نسبياً، إذ حددا مستهدفات تتراوح بين 5,400 و5,200 دولار للأونصة.
مما يعكس حالة من اليقين العالمي بأن الذهب يظل الملاذ الأخير رغم الاضطرابات اللوجستية المؤقتة التي تعاني منها الأسواق الإقليمية.
الملاذ الخادع
تعزو هذه المصارف الصعود المستمر إلى دور الذهب كملاذ آمن ومشتريات البنوك المركزية في الصين والهند، إضافة لتوقعات خفض الفائدة الأمريكية، لكنها تحذر في الوقت ذاته من مخاطر الهبوط المفاجئ إلى مستويات (3,700 )دولار في حال تسييل المراكز لتغطية خسائر الأسهم أو حدوث تهدئة شاملة تفقد الذهب "علاوة الحرب".
وفي هذا الإطار، ترسم الخبيرة الاقتصادية، (گوڵالە صدیق) صورة قاتمة لواقع الاستثمار في الذهب داخل محافظة السليمانية وإقليم كوردستان بنحو عام، وتعد الإقبال الكثيف على شراء "ليرات الذهب" ليس سوى نتيجة لضجة إعلامية مضللة "وقع ضحيتها غير الخبراء".
ولاسيما ذوي الدخل المحدود الذين قالت بان "مدخراتهم البسيطة تبخرت بفعل وعود الربح السريع". وترى كًولالة، أن هذا الاندفاع الشعبي يعكس في جوهره "أزمة ثقة عميقة في النظام المصرفي العراقي والكوردستاني".
وتضيف:" غياب المؤسسات المالية الفعالة والموثوقة دفع المواطنين قسراً نحو تجميد أموالهم في الذهب بدلاً من إيداعها في المصارف والاستفادة من عوائدها" وتعتقد بأنها:"أزمة تداخلت فيها العوامل الاقتصادية بالدوافع الدينية، إذ لعبت فتاوى تحريم الفوائد البنكية دوراً في عزوف الناس عن التعامل المصرفي، رغم أن دولاً إسلامية مجاورة كإيران وتركيا تعتمد أنظمة مصرفية نشطة لمواطنيها".
وتربط كًولالة، بين تذبذب أسعار الذهب والواقع السياسي المتوتر، مشيرة إلى أن قيمة الدينار العراقي تظل رهينة لتدفقات الدولار من البنك الفيدرالي الأمريكي، والتي تتأثر مباشرة بأي تصعيد أمني أو صراع بين الجماعات المسلحة وواشنطن:"مما يخلق حالة من عدم الاستقرار تدفع البسطاء للهروب نحو الذهب".
وتستدرك:" إلا أن هذا الملاذ يبدو خادعاً للفقراء؛ فبينما يكتنز الأغنياء الذهب بملايين الدولارات ويمتلكون رفاهية الصبر لسنوات، يندفع صاحب الدخل المحدود لبيع مقتنياته بمجرد رصد أي تغير طفيف في الأسعار عبر منصات التواصل الاجتماعي، لاهثاً وراء هامش ربح لا يتجاوز خمسة دولارات، مما يجعله الخاسر الأكبر في سوق لا يرحم".
وفي تحليل للمقارنة الشرائية عبر العقود، تعتقد الخبيرة، أن الذهب "لم يعد يحافظ على القيمة الحقيقية للثروة كما كان في السابق" وتبين وجهة نظرها، بقولها أن خمس أونصات من الذهب كانت تكفي لشراء أرض في أرقى مناطق السليمانية مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم، حين كان سعر الأونصة (850) دولارا وصرف (100) دولار لا يتجاوز (33) ديناراً.
فيما الارتفاع الحالي في أسعار الذهب يقابله تضخم هائل في أسعار العقارات والسلع والخدمات، "مما يجعل العائد من الذهب اليوم عاجزاً عن شراء أكثر من قطعة أرض صغيرة في مناطق نائية"حسب قولها. وتحذر كًولالة، من التعامل بالذهب "كاستثمار في أوقات الحروب"، خاصة بالنسبة لـمن تصفهم بالمستطرقين أو الهواة الذين يعتمدون على معلومات عشوائية من الإنترنت، في حين "يتحكم المحترفون والوكلاء المرتبطون بالبورصات العالمية بزمام اللعبة، ويقتنصون الفرص لحظة بلحظة، تاركين عامة الناس في مواجهة تقلبات سعرية قد تطيح بمدخراتهم بين ليلة وضحاها".
عاند الخبراء فخانه بريق المعدن
بين طموح الربح ومرارة العناد، يقف أسو نجيب عزيز، المدرس في إحدى مدارس السليمانية، متأملاً تقلبات سوق لم ترحم تقديراته الشخصية. بدأت حكايته في أيار/مايو من عام 2025، حين اجتاحت الأسواق موجة غير مسبوقة للإقبال على الليرات الذهبية وسبائك الفضة، مدفوعة بمخاوف شعبية من تذبذب قيمة الدينار العراقي وتراجعه المستمر أمام الدولار.
وفي محاولة منه لتحصين مدخراته التي جمعها بجهد السنين، قرر أسو، شراء الذهب عوضاً عن الدولار، فاشترى أوائل شهر شباط/فبراير2026، عشرين ليرة ذهبية بسعر (850) دولاراً للوحدة الواحدة، بعد مراقبة منحنيات الصعود والهبوط عبر شبكة من الأصدقاء في "بورصة الدولار" وأزقة سوق الصاغة. حينها، بلغ سعار الليرة ذروته ليتراوح ما بين( 1100 و1130) دولاراً، وهي اللحظة التي تهافت فيها الخبراء والمقربون لنصحه بالبيع وجني الأرباح المجزية.
بابتسامة يمتزج فيها التهكم بالندم، يستذكر أسو، تلك اللحظات واصفاً حالة "الغرور" التي انتابته حينها، مما دفعه لمعاندة نصائح ذوي الخبرة والتمسك بما في حوزته طمعاً في المزيد.
بحلول نهاية نيسان/أبريل2026 ومع مشارف شهر أيار، تراجع سعر الأونصة عالمياً ليلامس مستوى 4580 دولاراً، ما انعكس محلياً على قيمة "الليرة" الذهب التي استقرت في تداولات الصاغة عند مستويات تتراوح بين (975 و980) دولاراً.
وفي ظل هذا المشهد الاقتصادي، يبرز نموذج المستثمر الصغير الذي يمثله أسو، والذي يجد نفسه اليوم أمام واقع مالي يفرض عليه الموازنة بين منطق السوق وطموحات الربح.
وعلى الرغم من الفارق السعري الملحوظ بين مستويات الذروة السابقة والأسعار الجارية، إلا أن قرار التمسك بالمدخرات الذهبية ورفض البيع في الوقت الراهن يبدو هو الخيار السائد لديه، استناداً إلى غياب الحاجة الماسة للسيولة النقدية، ومراهنةً على عامل الزمن لاستعادة التوازن السعري المنشود.
تقرير: هفال باشوري
المصدر: نيريج
PM:07:12:04/05/2026
ئهم بابهته 140
جار خوێنراوهتهوه
اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك