"على وقع الصراعات الحزبية … القوى الكردية من معارك استرداد الأرض والحقوق الى الفوز برئاسات ووزارات"
Westga news
خلال عام وثلاثة أشهر، عقب انتخابات برلمان كردستان (تشرين الاول اكتوبر 2024) فشلت كل جلسات التفاوض بين الحزبين الكرديين الحاكمين بكردستان، في التواصل الى اتفاق ينهي خلافاتهما بشأن توزيع المناصب في حكومة الاقليم وإعادة تفعيل البرلمان الكردستاني مغلق الأبواب والذي تحول الى هيكل بلا حياة، فيما تحولت حكومة الاقليم على الأرض الى ما يشبه الادارتين الحزبيتين، كل لها اجراءاتها وحساباتها.
بعد انتخابات البرلمان العراقي في تشرين الثاني نوفمبر 2025، خاض الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، جولات جديدة من التفاوض، لإنهاء الانقسام الكردي، لكن هذه المرة على مناصب حكومة بغداد اضافة الى اربيل، حيث يتصارع الحزبان للفوز بمنصب رئيس الجمهورية الذي قضت التوافقات منذ 15 عاماً أن يكون من حصة المكون الكردي.
لكن كل جلسات التفاوض التي جرت، بين اللجان الحزبية وبين كبار القيادات، فشلت في انهاء الخلافات التي تتركز على عدة مناصب قيادية ووزارية، هي رئاسة الجمهورية، رئاسة اقليم كردستان، وزارة الداخلية، رئاسة مجلس أمن كردستان.
يطالب الاتحاد الوطني الذي يملك في برلمان كردستان (23 مقعدا) وفي البرلمان العراقي (18 مقعدا) بنصف تلك المناصب، بينما يريد الديمقراطي الكردستاني الذي يملك في البرلمان الكردستان (39 مقعدا) وفي البرلمان العراقي (27 مقعدا) الاستحواذ على كل تلك المناصب، عادا ذلك استحقاقا طبيعيا له كونه يملك نحو 40% من مقاعد كردستان، وحصد نسبة مماثلة من مقاعد المكون الكردي في بغداد.
ولم يعقد البرلمان الكردستاني منذ آواخر العام 2024 سوى جلسة واحدة، فشل خلالها في انتخاب هيئة الرئاسة، لارتباطها بصفقة كاملة تتضمن اختيار رئيسي الاقليم والحكومة وتوزيع المناصب الوزارية. وتوقفت كافة أعماله ولم يكن لممثلي الشعب المنتخبين أي دور في بناء حوار لتشكيل الحكومة او تحديد سياسة الاقليم.
وزاد من تعقيد المشهد، أن الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت بعد عام كامل من انتخابات الإقليم، أفرزت نتائج متقاربة إلى حد كبير من حيث الأحجام الانتخابية للقوى الكردية الرئيسية، ما أبقى حالة الجمود ذاتها، وأضعف فرص التوصل إلى تسوية سياسية سريعة تنهي حالة الفراغ في مؤسسات إقليم كردستان والصراع على مناصب بغداد.
تلك الخلافات بين الحزبين الكرديين انعكست سلبا على الحياة السياسية في كردستان، في ظل رفض الأحزاب المعارضة الدخول في تحالفات مع الحزبين لتشكيل الحكومة ما يمنع تحقيق نسبة الـ(50%+1) لتظل كردستان بلا وحدة قرار وبلا حكومة كاملة الصلاحيات، وببرلمان مغلق الأبواب متوقف عن العمل التشريعي والرقابي، ومؤسسات مشلولة وفي ظل اقتصاد ضعيف وبقايا هيكل ديمقراطي هش.
كما ان الصراع الكردي الداخلي وغياب وحدة الصف والموقف، أثر على قوة الحضور والتأثير الكردي في بغداد، حيث تحول الاقليم خلال سنوات من صانع للحكومات في العراق الى مجرد شريك صغير فيها.
معادلة رئاسة الجمهورية
بات الوضع السياسي الكردي في العراق، محكوما بمعادلة الصراع الثنائي بين الحزبين الكرديين الكبيرين على السلطة الممثلة بالمواقع الحكومية التي تضمن الامتيازات، بعيدا عن البرامج الوطنية او الأهداف القومية الكردية المعلنة، وفي ظل غياب قدرة المعارضة على التأثير وانعدام حضور النخب الثقافية والمدنية والأكاديمية بعد سحب جميع أوراق الضغط عقب بناء وترسيخ نظام ريعي زبائني جرد الشارع من اي قدرة على التحرك والاحتجاج.
على وقع ذلك يتنافس الطرفان الكرديان، على موقع رئاسة الجمهورية، حيث يرى كل طرف انه من استحقاقه وقدم مرشحين للفوز به، كما يتصارعان على المناصب العليا في حكومة اقليم كردستان وعلى الوزارات الأمنية وتحديدا "الداخلية” وهي العقدة التي عطلت طوال أكثر من عام تشكيل حكومة جديدة في كردستان.
إلى جانب الحزبين الحاكمين، دخلت أحزاب المعارضة الكردية أيضاً دائرة المنافسة، فقد اتفق الاتحاد الإسلامي الكردستاني وحركة الموقف (هلويست) وجماعة العدل الكردستانية على ترشيح الدكتور مثنى أمين كمرشح مشترك، وهو ما يزيد حالة الانقسام الكردي، وسط غياب اية استراتيجية عمل مشتركة أو حتى حوارات حقيقية على الأولويات بين أحزاب السلطة والمعارضة.
منذ العام 2005 قضت تفاهمات القوى الكردية مع القوى العراقية على منح منصب رئيس جمهورية، للمكون الكردي، واتفق الديمقراطي والاتحاد على أن يكون المنصب من حصة الاتحاد الوطني وهو ما حصل لخمس دورات متتالية.
لكن الحزب الديمقراطي، ومع حصوله في الدورات الانتخابية الأخيرة على مقاعد تبلغ نحو ضعف مقاعد الاتحاد الوطني، بات يطالب بالمنصب، ويكرر انه من حصة الكرد وليس حصة حزب محدد، وذكر مسؤولون في الديمقراطي ان منصب رئيس الجمهورية لم يعد يتمتع بفعاليته السابقة ومن الضروري إعادة تفعيله لتحقيق المطالب الكردية ومعالجة القضايا الدستورية العالقة، وهو ما يتطلب توافقا كردا على المنصب ليحظى بدعم الجميع.
في مطلع شباط فبراير 2026، وعقب فشل آخر جولة تفاوض، قال الديمقراطي الكردستاني، انه متمسك بمرشحه فؤاد حسين لرئاسة الجمهورية وانه سينافس على الموقع بعد رفض الاتحاد الوطني لمقترحه الذي تمثل في سحب مرشحه ودعم مرشح من الاتحاد محل توافق كردي مقابل المضي بتشكيل حكومة كردستان وتفعيل برلمانه وفق رؤية الديمقراطي المتمثلة بمنح الاتحاد مناصب ومواقع وزارية ليس بينها منصبي رئيس الاقليم ورئيس الحكومة ولا وزارة الداخلية ومستشارية مجلس أمن كردستان.
وفي 29 كانون الأول ديسمبر 2025، ذكر رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني أن منصب رئيس الجمهورية هو من حصة الكرد، لكن يجب أن لا تعتبر أي جهة المنصب حكراً عليها في اشارة الى الاتحاد الوطني.
وأقترح بارزاني ثلاثة خيارات لمعالجة التنافس على المنصب: إما أن يتم تحديد شخص من قبل برلمان كردستان ليكون ممثلاً للكرد ويتولى المنصب، أو أن تجتمع كافة الأطراف الكردستانية وتتفق على شخص محدد، أو أن يقوم النواب والكتل الكردية في مجلس النواب العراقي باختيار شخص للمنصب.
لكن الاتحاد الوطني رفض المقترحات المقدمة، ولم تعلن بقية القوى الكردية موقفا رسميا بشأنها، بينما علق سياسيون مقربون من قوى المعارضة، ان مقترح قيام البرلمان الكردستاني باختيار شخصية لمنصب الرئيس "غير قابل للتطبيق” لأن البرلمان الكردي معطل، وذكروا ان بقية المقترحات تحتاج توافقات واسعة هي غائبة اليوم، فآلية الاختيار من خلال القوى الكردستانية او النواب الكرد تحتاج الى تعميمها على اختيار بقية المناصب وكذلك اشراك القوى الكردية في بقية القرارات المهمة كتحديد مطالب شعب كردستان وليس في اختيار رئيس الجمهورية فقط.
مفاوضات الفرصة الأخيرة
من المقرر أن يجتمع رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، يوم الأربعاء في اربيل، مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، لحسم مرشح منصب رئيس الجمهورية والذي يرتبط أيضا بملف حسم الخلافات بين الحزبين على تشكيل حكومة كردستان.
وكان طالباني، تحت ضغط الاطار التنسيقي والمدد الدستورية لاختيار الرئيس، قد زار مصيف پيرمام في اربيل الأسبوع الماضي واجتمع مع بارزاني، لكن الجانبان لم يتوصلا الى اتفاق نهائي بشأن الملفات الخلافية، رغم تسريبات حزبية أفادت بتقدم جزئي في المفاوضات.
وفي حال فشل الجولة الأخيرة من التفاوض، فان الكرد كما في المرتين السابقتين، سيدخلون جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بأكثر من مرشح واحد، وسيتم التنافس وبالتالي التصويت وفق تحالف صغيرة وتعهدات جانبية سيحصل عليها الحزبان دعما لمرشحيهما، لكن في النهاية من سيفوز، هو من ستصوت له غالبية القوى الشيعيى التي تملك أكثر من 180 مقعدا في البرلمان. بمعني ان المرشح الكردي سيفوز بأصوات النواب الشيعة، بكل ما يمكن ان يحمله ذلك من ضعف وتنازلات، وفي النهاية فشل في فرض مطالبك في بغداد.
يعرف المواطن الكردي البسيط كما المراقب السياسي، ان عدم اتفاق الحزبين على مرشح واحد مدعوم من كليهما، واصرار كل طرف على موقفه ومرشحه، سينعكس سلبا على قوة التمثيل الكردي في بغداد، وسيُضعف دور اقليم كردستان وحضوره المحلي والعراقي والاقليمي. وان ذلك سيعني في الغالب خسارة الكرد لمزيد من استقلالية قرارهم، وحتى لمكاسب دستورية تحققت في 2003 بعد تضحيات هائلة.
وحتى في حال الاتفاق على مرشح واحد في مفاوضات الحزبين خلال الأيام المقبلة، فان بعض الأسماء التي تضمها قائمة المرشحين، والتي قد يتم اختيار احدها، تفتقد الى الخبرة السياسية الطويلة والى الكاريزما، التي يتطلبها هذا المنصب، ففي الدورة السابقة، فاز بالمنصب لطيف عبد الرشيد، الذي وصف لاحقا بأنه الرئيس الأضعف الذي عرفته البلاد، فلم يكن له أي دور في الساحة العراقية لا في الملفات العراقية ولا تلك المتعلقة بكردستان فكان "الحاضر الغائب”.
فعليا، أدى غياب وحدة الموقف الكردي بعد العام 2014، وانهيار التحالف الكردستاني وبالتالي تشتت تمثيل القوى الكردية في بغداد، الى تراجع قدرة الكرد على التأثير في مسار السياسات الحكومية والى العجز عن تحقيق العديد من مطالبهم بما فيها المثبتة دستوريا كتطبيق المادة 140 وتشكيل مجلس الاتحاد والاتفاق على قانون للنفط والغاز، وحتى ما يتعلق بضمان موازنة مالية سنوية للاقليم الكردي تعادل نسبته السكانية.
الشيعة لن ينتظروا
مع تجاوز المدة الدستورية لإختيار رئيس الجمهورية، والتي تبلغ 30 يوماً من تاريخ انعقاد أول جلسة للبرلمان، وفشل الكرد في التوافق على تقديم مرشح واحد للمنصب، دعت قوى الاطا رالتنسيقي الشيعي القوى الكردية الى حسم الموضوع سريعا، أو الذهاب لعقد جلسة البرلمان والتصويت في الفضاء الوطني ليفوز من يملك التأييد الأكبر.
وتميل اغلبية قوى الاطار التنسيقي، وبشكل خاص كتلتي صائب أهل الحق ومنظمة بدر، للتصويت للمرشح الذي يرشحه الاتحاد الوطني الكردستاني باعتباره حليفا للقوى الشيعية، بينما يحظى مرشح الديمقراطي بتأييد قوى اخرى داخل الاطار مثل دولة القانون. لكن تصويت النواب الذي سيكون سريا لا يمكن ضمان طبيعته اعتمادا على التحالفات المعلنة بين القوى المختلفة، لأن النواب سيكونون أكثر تحررا في الاختيار على الرغم من توجيهات قادة كتلهم.
ولا تريد قوى الاطار التنسيقي عموما اغضاب أي من الحزبين الكرديين بإعلان موقف صريح من التصويت لهذا المرشح او ذاك، لإعتبارات تتعلق بالتفاهمات على إختيار رئيس الوزراء وتوزيع المناصب الوزارية وحتى ما يرتبط بالعلاقات الاقليمية والدولية.
لكن وقت الانتظار انتهى كما تقول رسائل قادة الاطار للقوى الكردية، خاصة ان المنطقة تشهد توترات كبيرة على خلفية الاحداث في سوريا واحتمالية توجيه ضربات لايران. وقال النائب عن الحزب الديمقراطي شيروان دوبرداني، ان القوى العراقية لن ينتظروا أكثر اتفاق الكرد من عدمه، وانهم سيدخلون البرلمان في الجلسة المقبلة (التي قد تعقد الخميس 12 كانون الثاني) ويكملون النصاب القانوني ويصوتون للمرشحين.
ويتنافس 18 مرشحاً على منصب رئيس الجمهورية، أبرزهم فؤاد حسين مرشح الحزب الديمقراطي، ونزار آميدي مرشح الاتحاد الوطني، فيما بقية المرشحين هم اما مستقلون او مرشحون مقربون من الحزبين.
مناورات تشكيل حكومة كردستان
طوال العام 2025 لم يتوقف الحزبان عن المناورة والضغط من اجل اجبار الطرف الآخر على القبول بشروطه لتشكيل حكومة كردستان، دون ان ينجح اي من الطرفين في تحقيق مسعاه.
وسعى الديمقراطي الكردستاني، الاستفادة من ملف اعتقال رئيس حركة الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد، الذي اعتقل في السليمانية في 12 آب/أغسطس 2025 ووجهت اليه العديد من التهم، وحكم عليه في 2 أيلول/سبتمبر بالسجن خمسة اشهر بتهمة تهديد نائب سابق في برلمان إقليم كردستان.
الديمقراطي حاول الضغط على الاتحاد الوطني للتنازل عن بعض مطالبه، من خلال استمالة نواب الجيل الجديد في برلمان كردستان (15 مقعدا) الى جانبه ما كان سيعني تمكن الديمقراطي من تشكيل الحكومة، واجبار الاتحاد الوطني للانضمام اليها لاحقا، كما فعل سابقا بالتحالف مع حركة التغيير.
انقلبت الضغوط في 17 كانون الثاني/ يناير 2026، فبعد ثلاثة أيام من الافراج عن شاسوار عبدالواحد، زاره رئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني، وبعد مباحثات سريعة كان عنوانها "تعديل الأوضاع السياسية والإدارية في كردستان”، اعلن الجانبان عن تفاهمات لتشكيل حكومة كردستان الجديدة من خلال تحالف مشترك بمقاعده (38 مقعدا) تقارب مقاعد الديمقراطي الكردستاني (39 مقعدا).
واشار طالباني، انهم سيتفاوضون مع الديمقراطي الكردستاني على اساس المقاعد المشتركة للاتحاد وللجيل الجديد، بما حملته من توازن في القوة البرلمانية، كوسيلة ضغط على الديمقراطي للقبول بشروط الاتحاد لتشكيل الحكومة بما فيه منحهم وزارة الداخلية.
التأثيرات على الشارع الكردي
الخلافات المحتدمة في كردستان على أساس المصالح الحزبية، لم تعد أزمة سياسية معزولة، فقد أدخلت كردستان في حالة جمود سياسي مع تشكيك متزايد بتعطل مساره الديمقراطي وانهيار مؤسساته الجامعة، بكل ما يحمله ذلك من أثر ليس على بنية العمل السياسي الكردي فقط بل على الوضع الكردي الداخلي ودوره على الصعيد الوطني العراقي.
غياب الموقف الكردي الموحد، فتح المجال أمام قوى أخرى لفرض معادلات سياسية جديدة تأتي على حساب استحقاقات دستورية عالقة، مثل ملف المناطق المتنازع عليها وتقاسم الثروات. كما ان غياب وحدة المواقف الكردية ينعكس حتى على صلاحيات الكيان الفيدرالي الدستوري في ظل نهج عالمي جديد مدعوم اقليميا يعطي الأولوية للصفقات التجارية والاقتصادية على حساب الحقوق والأعراف الدولية والقيم الانسانية.
كما أن استمرار الشلل في مؤسسات إقليم كردستان يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الهش في الإقليم، ويقوّض الديمقراطية العراقية ومساحة مدنية الدولة، في وقت يشكّل الإقليم عنصر توازن في معادلة العراق، خصوصا في ظل التوترات الإقليمية والتحديات الأمنية المتصاعدة.
معيشياً، الخلافات الكردية تحوّلت إلى عبء يومي على حياة المواطنين، طال معيشتهم وقوتهم اليومي، بانعكاساتها على ملف الرواتب وعائدات المعابر الحدودية ونقاط السيطرة الأمنية. انها باتت تؤثر على ثقتهم بكيان الاقليم ومستقبله. وكلما طال أمد هذا الانقسام، كلما اتسعت الفجوة بين الشارع الكردي والطبقة السياسية، وازدادت كلفة الأزمة على المجتمع بأكمله.
يقول الباحث جمال علي، ان الخلافات السياسية بين الأحزاب الكردية، أثرت على الناس عموما، ويمكن تلخيص هذا التأثير في "تراجع الحالة المعيشية – الاقتصادية، وتآكل الثقة بالعملية السياسية مع استمرار الخلافات لسنوات دون حلول، مع شعور بعدم جدوى العملية الديمقراطية لأن أصواتهم الانتخابية لا تغيّر شيئا مما يولد حالة من الإحباط واللامبالاة السياسية، ويضعف المشاركة الديمقراطية”.
ويشير الى تأثير آخر، يرتبط بفشل الدفاع عن حقوق الإقليم المالية في الموازنة الاتحادية "المواطن الكردي نتيجة ذلك يدفع ثمنا مضاعفا مع التأخر المزمن لدفع استحقاقاته المالية”.
الجماعات والاحزاب
يقول الباحث الاكاديمي دكتور عقيل عباس، معلقا على الخلافات الحزبية:”هذا فشل واضح لسياسات الهوية التي تم تبنيها للأسف بالإجماع، وبشكل أكبر من جانب الأكراد والشيعة مقارنة بالجانب السني الذي اضطر إلى تبنيها على مضض.”
ويضيف أن أساس المشكلة يكمن في "افتراض أنهم متحدون ولديهم مجموعة من المصالح المتفق عليها داخل كل مجموعة. هكذا بدأت الأمور، واستمرت على الأرجح لدورة انتخابية واحدة، أو اثنتين، ثم فشلت في تحقيق أهدافها، لأن المصالح الحزبية طغت على مصالح الجماعة، سواء كانت عرقية أو دينية، أو حظيت بالأولوية”.
ويرى ان المصالح الحزبية قضت في النهاية على وحدة الجماعة المفترضة. ويتابع :”هذا هو الصواب، ففي النظام الديمقراطي الفعال، عادةً ما تمثل الأحزاب السياسية مصالح الجماعات، لا على أساس الهوية العرقية أو الدينية، بل على أساس المصالح المادية”.
ويشير عباس، الى ان افتراض أن الأكراد جميعا لديهم مجموعة واحدة من المصالح هو أمر خاطئ "للأكراد مصالح مختلفة، وقد فشلت جميع الجهود المبذولة لتقديم جبهة موحدة”.
وعن الخيار الأمثل في حال استمرار الاستعصاء الحاصل، يقول: "الذهاب الى البرلمان وحسم الأمر هناك، فالمنافسة بناءً على الدعم المتاح هي الطريقة الصحيحة، لكن المثير هنا أن ذهابهم لا يحصل لأنهم يؤمنون بهذه العملية أو بأن البرلمان هو من يقرر، بل لأنهم انتهوا إلى طريق مسدود، ان ذلك التوجه ان حصل لا يتم بدافع الإيمان، بل بدافع اليأس وعدم وجود الخيارات الأخرى التي يفضلونها، وهي عقد الصفقات”.
ويرى الباحث في الشأن السياسي فلاح صلاح، ان صراع الحزبين ليس جديدا، فتاريخه يعود لأكثر من خمسين عاما "بدأت بالمعارك القومية، وتقسيم كردستان الى منطقتين في التسعينات، وحتى تقسيم العلاقات الخارجية بين من يحالف إيران ويحالف تركيا”.
ويشير الى ان ضعف دور المعارضة الكردية "جزء من المشكلة، اذ لا يوجد بديل للحزبين المتفردين بالسلطة الى الآن، والمعارضة منقسمة بين هاتين القوتين”.
وبعد عام وثلاثة اشهر على الانتخابات، دون حكومة جديدة ولا برلمان يقوم بأداء عمله، يرى صلاح ان "شرعية السلطة في الإقليم هي الان محل تساؤل”، مضيفا أن الحزبين الذين يعتقدان بأنهما ساهما بشكل أساسي في بناء العراق الجديد حين كان يمر في فترة فوضى وحرب داخلية "تسببا بخسارة الكرد للمناطق المتنازع عليها، وللكثير من الاستحقاقات والمناصب في الدولة الاتحادية، وانهما أوصلا الشعب الكردي الى مرحلة اليأس الكامل”.
ويوضح: "منذ كتابة الدستور في ٢٠٠٥ الى اليوم، لم يستطع الحزبان تمرير أي قرار لمصلحة المناطق المتنازع عليها، نتيجة غياب برنامج سياسي موحد للأحزاب الكردية”.
وينبه الباحث الكردي، ان الكتل الكردية كانت قبل سنوات تتفاوض من اجل استرداد المناطق المتنازع عليها، ودعم قوات البيشمركة، واستحقاق الاقليم من النفط والغاز، الى جانب ملف الرواتب، بينما الان لا يتفاوضون الا على ملف الرواتب.
النائبة السابقة في البرلمان العراقي ريزان شيخ دلير نوهت انه حال حسم منصب رئيس الجمهورية، سيعمل الحزبان على تفعيل البرلمان الكردستاني وتشكيل حكومة الإقليم.
وأضافت: "نعلم أن مكانة الإقليم سيئة للغاية الان، والوضع الاقتصادي سيء، والوضع السياسي غير مستقر، والبرلمان الذي صوت الناس له معطل، ولهذا وضع الإقليم سيء وسيصبح اسوأ خلال الفترة المقبلة وسط التحديات القائمة، لذا سيجبر الحزبان على تسوية خلافاتهم لأنهما يعرفان انهما لن يستطيعا أن يكملا بهذه الطريقة”.
ولفتت ريزان، الى ان انقسام المعارضة الكردية جزء من المشكلة :”لو كانت موحدة الموقف لتمكنت من تشكيل ضغط اكبر على الحزبين لتفعيل البرلمان وتشكيل حكومة جديدة”.
هدر الفرص
يكشف المشهد السياسي الكردي الشائك على وقع المصالح الحزبية وغياب برامج العمل المشترك، أن أزمة الكرد في العراق لم تعد مرتبطة بتهميش الآخرين لهم، او بضعف التمثيل أو نقص الفرص، بل بعجز الأحزاب الكردية نفسها عن إدارة خلافاتها ضمن إطار مؤسساتي. فالصراع المستمر بين الحزبين الرئيسيين على المناصب، حوّل الاستحقاقات الدستورية إلى أدوات ضغط متبادل، وأفرغ موقع الرئاسة من رمزيته وتاثيره المهم في بغداد.
ولا يهدد استمرار الانقسام فقط الحضور الكردي في الحكومة الاتحادية، بل يفاقم الشلل السياسي والضعف الاقتصادي في كردستان، ويضع شرعية مؤسساته المنتخبة موضع تساؤل، ومع غياب معارضة قادرة على تغيير المعادلات الحالية، تبدو الخيارات أمام الحزبين الحاكمين محدودة بين تسوية مؤلمة أو مزيد من التآكل في النفوذ والمكتسبات.
وفي المحصلة، فإن استعادة الدور الكردي المؤثر في بغداد، وإنهاء حالة الجمود في الإقليم، لن يتحققا عبر صفقات ظرفية أو تنافس داخلي مفتوح، بل من خلال إعادة بناء توافق سياسي حقيقي يقوم على برامج برؤية ومطال بمحددة، يقدّم إرادة الناخبين على حساب صراع الامتيازات، قبل أن يتحول الانقسام إلى واقع اداري سياسي اقتصادي دائم على الأرض يصعب تجاوزه.
يقول الكاتب والصحفي الكردي سامان نوح: ان "فشل الاتفاق الكردي على مرشح واحد ذو خبرة سياسية واسعة وكاريزما قوية، سيكرر السيناريو السابق، والنتيجة مزيد من الأزمات في اقليم كردستان، ومزيد من التراجع في الحضور الكردي ببغداد”.
وينبه الى ان "اختيار شخصية ليست محل اتفاق كردي، أو شخصية ضعيفة، سيعني عدم الاستفادة من موقع مهم في الدولة العراقية، كما حصل في الدورات الأخيرة”.
أما غياب برنامج كردي متفق عليه نتيجة تقديم المصالح الحزبية، فيسكون سبباً بحسب نوح في "خسارة الكرد لتأثيرهم في الحكومة الاتحادية وللقدرة على ان يكونوا شركاء حقيقيين في القرارات المهمة، وربما إضاعة فرص جديدة في توجيه، ولو جزئياً، سياسات الدولة التي ساهموا هم في تشكيلها”.
من اعداد: نوروز سنجاري
PM:09:14:10/02/2026
ئهم بابهته 48
جار خوێنراوهتهوه
اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك